في الاقتصاد الريعي حيث تُستبدل آليات السوق والإنتاج بالاعتماد على الموارد الريعية كالنّفط، تصبح الكفاءة لا ضرورة بل عبئًا على البنية الوظيفية للدولة. فاقتصاد الريع لا يحتاج إلى الإبداع أو الإنتاجية بقدر ما يحتاج إلى الولاء وإدامة توزيع الريع ولذلك فإن الكفاءات فيه تُعد هامشية وتُزاح جانبًا أمام شبكات المصالح السياسية والولاءات الشخصية.
في العراق تمثل هذه المفارقة جرحًا يوميًا للعقل الوطني فكم من خريج رصين في الهندسة أو الطب أو العلوم السياسية يجلس اليوم في هامش المجتمع فيما يتصدر المشهد مَن لا يملكون من الكفاءة إلا القرب من السلطة أو الحزب أو العشيرة؟ في بيئة ريعية قد تجد صاحب الشهادة العليا والخبرة الواسعة يجلس على ذات الطاولة مع من يفتقر لأبسط مؤهلات العمل بل وقد يكون هذا الأخير هو من يتحكم بقرار صاحب الكفاءة مما يولّد إحباطًا بنيويًا واغترابًا داخليًا لدى النخبة العلمية.
ولعلّ أكثر المشاهد صدمة حين تلتقي بسائق سيارة أجرة يحمل شهادة هندسة من جامعة دولية أو عراقية عريقة بينما يُشغل المناصب العامة من لا يمتلك الحد الأدنى من المهارات التحليلية أو المهنية. هذه ليست حوادث فردية بل مخرجات متوقعة لبنية ريعية لا تنتج قيمة ولا تحفّز على التميز بل تعيد إنتاج الرداءة وتكافئ التبعية.
إن غياب الحاجة إلى الكفاءة في الاقتصاد الريعي لا يؤدي فقط إلى تهميش الخبرات بل إلى تفريغ الدولة من نخبها، وإنتاج طبقة سياسية وإدارية تُعيد تكرار الفشل ذاته، وتحاصر كل بذور الإصلاح قبل أن تنبت.


