لطالما كانت منطقتنا مسرحًا لتحولات سياسية ودينية معقدة، تتشابك فيها الأحداث بسرعة تُصعب علينا أحيانًا اللحاق بها. في خضم هذا الزخم، يبرز السيد مقتدى الصدر كصوت وطني عراقي مؤثر، يعبر عن هموم الشعب ويتمسك بثوابته.
منشوره الأخير في 14 مايو 2025، الذي وصف فيه مفهوم “الديانة الإبراهيمية” بـ”مساعٍ مسمومة”، أثار جدلاً واسعًا، ودفعني للتأمل في موقفه بعقل مفتوح وقلب يؤمن أن السلام العادل هو الأساس الذي يجب أن ننطلق منه لبناء مستقبل أفضل للمنطقة والعالم. لست هنا لأدافع عن طرف أو أنتقد آخر، بل لأقدم تحليلًا توعويًا يُنير الطريق للقارئ، مع احترام عميق للسيد الصدر وجمهوره المخلص، الذي يرى فيه رمزًا للصمود والكرامة.
منذ سنوات، والصدر يُظهر قدرة فريدة على قراءة نبض الشارع العراقي. قراره الأخير بالابتعاد عن الانتخابات التشريعية، ووصفه لنفسه بـ”الجندي” المدافع عن العراق، يعكسان رؤية إصلاحية ترفض الانخراط في نظام يراه غارقًا في الفساد. هذا النهج، الذي يعتمد على التعبئة الشعبية بدلاً من السياسة التقليدية، يُبرز التزامه بالعدالة والسيادة، ويجعله صوتًا لا يُستهان به في الساحة العراقية. لكن منشوره حول “الديانة الإبراهيمية” يفتح بابًا للنقاش حول كيفية التوفيق بين الثوابت الدينية والتحديات الإقليمية.
في منشوره، عبّر الصدر عن رفض قاطع لما يُسمى “الديانة الإبراهيمية”، معتبرًا أنها محاولة لإضعاف الهوية الإسلامية. استشهد بالآية القرآنية: “ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا” (آل عمران: 67)، مؤكدًا أن إبراهيم (عليه السلام) رمز إسلامي خالص، لا يجوز توظيفه في مشاريع سياسية. وضع شروطًا صلبة لأي حوار ديني، مثل احترام الأنبياء والحفاظ على ثوابت الأديان، محذرًا من أي مساعٍ تُهدد الإسلام. هذا الموقف يأتي في سياق الجدل حول الاتفاقيات الإبراهيمية، التي ربطت التطبيع بين إسرائيل ودول عربية برمزية إبراهيم، وأثارت تساؤلات حول دوافعها الحقيقية.
لا يمكن إنكار أن تحذير الصدر يعبر عن قلق مشروع. فالاتفاقيات الإبراهيمية، التي دُعيت دول مثل سوريا للانضمام إليها في قمة الرياض 2025، أثارت شكوكًا بسبب ارتباطها برؤية “الشرق الأوسط الجديد” التي تروج لها قوى غربية. مبادرات مثل “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، رغم تقديمها كرمز للتعايش، تُثير مخاوف من استغلال الرموز الدينية لتسويق أجندات سياسية. الصدر، بتحذيره، يُجسد صوت الشارع العربي والإسلامي الذي يرفض أي محاولة للمس بالثوابت، وهو موقف يستحق التقدير لجرأته ووضوحه.
لكن، مع كامل احترامي للسيد الصدر وجمهوره، أتساءل: هل يمكن أن يُحد الرفض القاطع للحوار الديني من فرص بناء سلام شامل؟ أؤمن أن السلام العادل، الذي يحترم هويات الشعوب ويضمن استقرار المنطقة والعالم، هو الهدف الأسمى.
“الديانة الإبراهيمية”، كما ناقشنا في سلسلتنا، ليست دينًا جديدًا، بل إطارًا رمزيًا لتعزيز التفاهم بين الأديان. رفضها بشكل تام قد يُضيع فرصة لتوجيه هذا الحوار نحو أهداف تخدم شعوبنا، مثل تعزيز العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. بدلاً من إغلاق الباب، يمكن وضع شروط صلبة، كما اقترح الصدر، لضمان ألا يتحول الحوار إلى أداة سياسية، بل يبقى منصة للتعايش الحقيقي.
لا أقصد هنا التقليل من موقف الصدر، فهو ينبع من حرص عميق على الهوية الإسلامية، وهو حرص نشاركه جميعًا. لكنني أرى أن السلام يتطلب توازنًا بين التمسك بالثوابت والانفتاح على حوار يحترم الخصوصيات. على سبيل المثال، مبادرات مثل “بيت العائلة” يمكن إعادة صياغتها لتعكس قيم التعايش دون المساس بالهوية، وربما تكون فرصة لتعزيز الوحدة الإقليمية ضد التحديات المشتركة، مثل الفساد والتدخلات الخارجية.
الصدر نفسه، بتأثيره الشعبي، يمكن أن يلعب دورًا في توجيه هذه المبادرات نحو أهداف تخدم العراق والمنطقة.
السياق الإقليمي لا يُساعد على تبديد الشكوك. الغارات الإسرائيلية على سوريا بعد سقوط نظام الأسد، ودعوة سوريا للانضمام إلى الاتفاقيات، أثارتا غضبًا شعبيًا، وجعلتا تحذير الصدر تعبيرًا عن نبض الشارع. لكن السلام، كما أراه، لا يعني التنازل عن الحقوق، بل بناء جسور ثقة تُنهي الصراعات وتفتح أبواب الازدهار. فالعراق، الذي عانى من الحروب والفساد، يحتاج إلى استقرار اقتصادي وأمني، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال حوار إقليمي يضع مصالح الشعوب أولوية.
موقف الصدر، بتركيزه على حماية الهوية، يُبقي قضايا العدالة والسيادة حية في وجدان العراقيين. لكنني أدعو، بكل تواضع، إلى التفكير في كيفية تحويل هذا الحرص إلى رؤية عملية تُسهم في السلام دون التفريط بالثوابت. استراتيجيته في العمل خارج النظام السياسي تُظهر رؤية إصلاحية طويلة الأمد، لكنها تحتاج إلى توازن لضمان عدم ترك فراغ يستغله آخرون. دوره كقائد شعبي يجعله قادرًا على قيادة حوار يحترم إرث إبراهيم (عليه السلام) كرمز للتوحيد، دون السماح باستغلاله.
أختم مقالتي بدعوة القارئ إلى التأمل في هذا الموقف كجزء من مسيرة وطنية تهدف إلى الكرامة والعدالة. السلام العادل، الذي يجمع الشعوب ويحترم هوياتها، هو طريقنا نحو مستقبل أفضل. وأحيي السيد الصدر وجمهوره على تمسكهم بالثوابت، وأدعو إلى حوار مفتوح يُنهي الصراعات ويُعزز الاستقرار، مستلهمين روح إبراهيم التي دعت إلى الحق والوحدة. فلنعمل معًا، بقلوب واعية وعقول ناقدة، لبناء منطقة تعكس تطلعات شعوبنا نحو الحرية والازدهار.
والسلام من وراء القصد


