لعلّ الندرة جلية وواضحة تكاد ماتتسم به الكتابات النقديّة في عوالم الفن السينمائي وفق التحليل النقدي العميق لجماليات الصورة في المشهد السينمائي ، يبدو واضحاً وجلياً شحة تلك الدراسات المُعمقة في مجالات “الصورة السيميائية ” رغم التطور المدهش بعوالم الرسائل التي ينقلها الفلم السينمائي وإستراتيجيات صانع الفلم ، والمنتج ،التسويق ، للإثارة والمردود المالي الربحي،لأن كُلفة العمل السينمائي باهضة الثمن ، على الرغم من محاولة المُخرج تقديم الجودة في صورة الفلم من خلال دهشة الحدث، وتقنية البناء السينمائي ،وعنص التشويق في الفلم من عناصر الصوت ،والصورة ،والإخراج، والموسيقى التصويرية ،وزوايا التصوير المدهش ،فالصورة دالاً للشيء والذي صورته تتشابه إلى حد ما بالواقع . وفي كتاب حسن قاسم /سيمياء الصورة السينمائية / دار الشؤون الثقافية العامة /2016 /191 يُعد من الدراسات النوعيّة في تحليل الصورة السينمائية ،وعرضها للمتلقي وللمختص بإسلوب رائق وجذاب وتعميق الرؤية النقديّة الثاقبة التي تغور بأبعاد المصطلح النقدي وفق متبنيات المدارس النقديّة الحداثوية في التعاطي مع التحيليل الصوريّ..يذكر “المؤلف” بمقدمته ص6 : (( إن تحليل الخطاب السينمائي سيميائياً ،يستلزم إعتماد ما اقترحه (بيرس) في الصورة المتحركة أو حركية الصورة،وكذلك قراءة (كريستيان ميتز) في تطويره لعلهم العلامات كأسلوب للتحليل السينمائي ، وسوف يتم الاستعانة أيضاًبأفكار (يوري لوتمان) في مدخله السيميائي للفلم السينمائي ،منطلقين من رؤية (أمبرتو إيكو) للسيميولوجيا على أنها العلم الذي يدرس سائر الظواهر الثقافية بوصفها أنظمة للعلامات قائمة على فرضية مؤداها ؛ إن ظواهر الثقافة جميعاً ماهي في الواقع سوى أنظمة علامات .)) في هذا الجهد المعرفيّ والجماليّ يحاول “قاسم ” أن يثبت إجرائياً المفاهيم السيميائية..والمقولات النقدية ..والآراء لعدة منظرين حول العلامة ودلالالتها بالصورة الفلمية والدهشة البصرية ومعالمها الدلالية والبنية الدلالية و تطبيقها بقراءة أفلام إنتخبها لدراسته الغنيّة بالتحليل النقدي ليضيف لرصيد المتابع لعوالم الجمال الفلمي ومدارس الإخراج في تعاطيها مع (السمع –بصرية ) الذي يسحر الألباب بفعل دهشة الجمال في تناول القصص والموضوعات بنصوص مختارة جيداً ، فمتابعة المشاهدة للفلم المكتمل بكل الجوانب له بريقه الدائم في صالات العرض السينمائي ،التي تضج بالحضور في معظم قاعات العرض السينمائي بالعالم . وقد نحى “الباحث” في رسالته الأكاديمية هذه لشهادة الماجستير ،إتجاهات تعريفية وتنويرية وتعليمية وتنظيرية في “سيمياء الصورة السينمائية ” وجاء البحث بفصول أربعة درّسها بعمق وجهد جديّ ..فناقش في الفصل الأول (سيمولوجيا الصورة ) وقد أكد في ص 15 (والسينما لاتكتفي بجعل الصورة أداةً للنقل الحرفي ،حيث تغادر الصورة كونها علامة ، إلى منطقة أخرى تجعلها حاملة للدلالة بوصفها لغة ،….) ثم يخوض الكتاب في (دلالة العلامة السينمائية )، الخطاب السينمائي الذي يرتب صوره كلغة له ، والنص المفتوح والنص المغلق ، والساقات التداولية والإدراكية والنفسية والإجتماعية والثقافية والشفرات من حيث ارتباط دالات السينما بمدلولاتها ارتباطاً وثيقاً بسبب كونها علامات صورية ،وفيه تفاصيل دقيقة حول تلك المفاهيم مسندة لمراجع نقدية عالمية فيذكرص 67 إن ترتيب العلامات داخل بنية النص الفلمي ،يقتضي نظاماً خاصاً بها أو سياقاً تسير وفقه تلك العلامات والتي ستتولد منها الدلالات لاحقاً ،وهذا السياق تؤسس عليه عناصر النص ومن خلاله ينشأ التعاقب الزمني والمكاني ،…) ..ويستمر بفصول كتابه الشيّق وهو يغوص ويبحر بنا إلى مرافيء الجمال بعوالم السحر –الصوري- ففي فصله الثالث (عناصر التدليل في الفلم السينمائي ) السرد الفيلمي ، والشكل الفيلمي ،وآليات اشتغال الدلالات في عناصر اللغة اللسينمائية ،وذلك عبر تبني تقنيات (لغوية –سينمائية ) حيث يؤكد في ص91 : ( إن عملية تحديد الدلالة أو نوعها ،وما يمكن أن تبوح َ به من أسرارِ تكتنفُ الصورة السينمائية ،وهي عملية دقيقة غايتها الوصول إلى بنى تتجاوز حدود السطح الخارجي للصورة ،….). ويختم “المؤلف “كتابه النقدي بفصله الرابع (قراءة سيميائية لأفلام المخرج الدانماركي لارس فون تراير ) وتحليل ثلاثة أفلام على وفق المنهج السيميائي ،وذلك من خلال تطبيق ست دلالات عليها ، وهي دلالات خاصة بالسينما دون غيرها ..لقد قدم المبدع “حسن قاسم ” هذا الكتاب التحليلي المُشبع والممتليء بالرؤى والقراءة الجمالية لعوالم تسحر الألباب.
علاء المفرجي الرؤية النقديّة الجماليّة في السينما
وقعت بين يدي عدة كتب سينمائيّة بمختلف العواصم العربيّة ..تُقدم قراءات نقدية في السينما؛تراوح بعضها بين النمطي.. وبين الكُتب المُجديّة والتي تُقدم مادة غنية برؤى تتسم بعمق التحليل ،والمعرفة الشموليّة بالنتاج السينمائي العالميّ ،ومن كتابنا الذين تميزت كتبهم بالنضج بالطرح النقاد حسين السلمان،أحمد ثامر جهاد، وكاظم سلوم ،وقد قدمت قراءات سابقة بمؤلفاتهم ،وقد أهديّ لي الناقد السينمائي المبدع “علاء المفرجي ” كتابه المهم (كلاكيت مقالات في السينما ) الصادر عن دار عدنان /2016 /ط1 ب185 صفحة..رؤيّة إمتلكت ناصيّة النقد التحليليّ الجماليّ بفطنة عاليّة توخى فيها الإلمامة بثيمة كل عرض سينمائي من تقنيات الإخراج وأداء الممثل والموسيقى التصويرية والسيناريو ومكملات العرض السينمائي في قدرات كل مخرج وقوه الخيال التي يملكها لإداره فلمه وصنعة الإبداع لِتنافس تلك الأفلام بشباك صالات العروض ،أو المهرجانات السينمائية كمهرجان كان وغيرها ؛درس أفلام محلية –عربية –شرقية –غربية – وناقش مفصلاً بواكير العروض السينمائية بالعراق،وصالات العرض ،والحشود التي تواكب العروض التي تبحث عن المتعة أو أفلام الإغراء ،أو الأفلام السياسية ..وتنوع الأسابيع السينمائية العالمية بالعراق كأسبوع الفلم السوفيتي.. ذكريات بعطر وأريج الندى والرياض النضرة الممرعة بعشب الجمال والطبيعة بتلك العوالم للفن السابع والزخم الذي يُتابع تلك العروض فيما مضى .. تضمنت الموضوعات الرصينة ،والجادة ، موضوعات مختلفة كلاكيت (25) موضوعاً من ص 17-83 شملت موضوعات مختلفة (عندما نستدعي الماضي إلى حاضر مرتبك – في تسعينية ظلال الأجداد المنسيين – ربيع الأدب..ربيع السينما- صرخة السلامي ..وفلم المرأة –حجر الصبر وطفل كابل –شباب السينما ومهرجان الخليج- رؤساء بمنظار أوليفر ستون – شمس سوركوروف- التطرف كان هناك ! –ملحمة بصرية لحدث رياضي –السينما لم تذهب مع الريح –سينماتون – مهاجرو السينما-داتوفيتش جامع الخردة –الصورة النمطية وعودة الوعي –تألق الوعي وأفوله – شيفرة دافنشي ..وسر السينما – تارانتينو وجيل الفيديو – (انتقام) سبيلبرغ –قضية بازوليني –السينما الإيرانية ..كياروستامي- نور الشريف- عاشق هيروشيما –في استذكار بسام الوردي –سلام على دجلة ..فصل من المأساة..كتب الناقد السينمائي “المفرجي ” بمقدمة كتابه الجميل ص 5: (قاعات الاحلام هكذا وببساطة وجدها رولان بارت ..عالم ساحر يومض منبثقاً من عتمتها الحالكة، التي هي عند بورخيس رمادية تشبه عالم الشاشة الفضية . السينما كلمة تنفتح على عوالم البهجة والحزن ،الفوضى والانسجام الحب واللاحب تماماً مثل كالفينو في احساسه ان مايشاهده على الشاشة فقط هو الذي يمتلك المميزات المطلوبة من العالم :الامتلاء ، الضرورة ،الانسجام،واحلام اليقظة …ببساطة ملاذ مصطنع تشاغلنا به الحياة ..طفل يحث الخطى في ازقة الكرخ صوب قاعة سينما قدري –ستتحول فيما بعد وبقرار (ثوري) الى سينما بغداد والتي تحتضن عتمتها هذه المرة نزالا غير متكافيء بين بطليه المفضلين انتوني كوين وكيرك دوغلاس في محطة قطار مهجورة ، هو نفسه من سيلج قاعاتها بعد سنوات متأبطا كتابا احمر ليشاهد تراجيديا (ساكو وفانزيتي) على ايقاع التصفيق وزهو الشعارات…..)..يصطحب المُتلقي خطوات للخلف لتلك الذكريات الأولى ،والتنقل بين صالات العرض لمشاهدة تلك الأفلام بمتعة بين الأفلام الايطالية والفرنسية والهوليودية والعربية والايرانية ..رحلة مُشوقة وكأن المُتلقي حاضر مع “الناقد” بمشاهدته لتلك الأفلام من خلال تفكيك الفلم برؤية مُبسطة غير متكلفة بالكتابة النقديّة لِتصل معه لبر الأمان بنهاية الأفلام .. وفي القسم الآخر افلام عراقية بعد 2003 كالرحيل من بغداد- همس المدن- خيال- كل الطرق تؤدي إلى الموسيقى- ابن بابل ..ثلاثية الدراجي المقترحة – كنت هناك في بغداد! – الجغرافية الحزينة في(اغاني الغائبين) –حفل الماني في حديقة باريسية- الجنابي وكوروساوا وفاكهة سيزان- عشر سنوات من حياتي – رحلة (قطن) مع الجوائز ثم القسم الأخير مقالات في السينما ..قراءة جماليّة بصياغة فنيّة تفتش عن مواطن الجمال بعوالم مترعة بالإبداع ،والقدرة على نجاح الإخراج ،مع جمال السيناريو المُعد،أو الروايات العالمية ،وقدرات نجوم السينما في أداء الأدوار الصعبة التي تثير المشاهد ،وتخلق الدهشة ،والإندماج وتربط جميع المشاهدين بكل جغرافيات العالم نحوالإنشداد ..والمتابعة.. و الإندماج.. والدهشة مع مشاهد تم تمثيلها ببراعة متناهية ، وتصويرها بعناية فائقة ،مع رؤية “المفرجي” الثاقبة والمتزنة للدعاية ،أو التهويل ،أو الأغراض السينمائية التي لم تنطلِ على المشاهد الواعي، والتطورات الهائلة بالعصر الرقمي الذي أثر بجمالايات الأفلام وصناعتها يذكر ص 176 : (….مع التطور الهائل الذي اصاب هذا الفن في العقدين الاخيرين كان لابد من ان يوظف هذا التطور وبمهارة للاغراض نفسها، فافلام الخيال العلمي والكوارث التي اخذت مساحة لابأس بها في النتاج الهوليودي ،ليست بمنآى عن هذا التوجه ،ويخطيء من يظن ان مثل هذه الأفلام مصنوعة للتسلية والتسلية فقط ، ويكفي ان نشير الى ان ذيوعها من خلال العقدين الاخيرين يرتبط بانفراد الولايات المتحدة قطبا واحدا في السياسة الدولية.


