طريق التنمية: ممرٌّ يعبر المحافظات أم يُنمّيها؟

طريق التنمية ممرٌّ يعبر المحافظات أم يُنمّيها؟
قد يتحول طريق التنمية إلى ممرٍّ عابرٍ بلا أثرٍ إنمائي محلي ما لم تُوزَّع منافعه بعدالة بين المحافظات. ويتطلب نجاحه تخطيطاً مكانياً متكاملاً، وعُقداً صناعية ولوجستية، وضماناتٍ للمشاركة المحلية، وآلياتٍ شفافة لتمويل البنية التحتية والخدمات العامة...

المقدمة

لنتخيّل قطار حاويات يخرج من الفاو، فيقطع أكثر من ألف ومئة كيلومتر حتى الحدود التركية، ويمرّ بمحاذاة الديوانية والنجف وكربلاء وبغداد والموصل دون أن يتوقف في أيٍّ منها إلا لتبديل طاقم أو فحص عربة. البضاعة تصل إلى أوروبا، والمدن العراقية ترى القطار من بعيد.

هذا هو السيناريو الذي ينبغي أن نخشاه، أكثر من خشيتنا تعثّر المشروع نفسه.

الخبر باختصار

في العاشر من تشرين الأول الجاري كشفت وزارة النقل، على لسان مدير المشاريع في الشركة العامة لسكك حديد العراق فاضل عباس، عن تحرّك لإبرام اتفاق مع تركيا يُنشئ صندوقاً تموّل منه شركات تركية تنفيذ «طريق التنمية» مقابل النفط العراقي، فيما لا يزال المشروع في مرحلة إعداد التصاميم. أما المرحلة الأولى، أي تأهيل السكك من بغداد جنوباً إلى البصرة وأم قصر وشمالاً عبر الموصل، فيموّلها قرض من البنك الدولي.

وقبل ذلك بأيام قدّم وزير الطاقة التركي الممرّ بوصفه خطاً متعدد الوقود يحمل النفط والغاز وخطوط الكهرباء. والمشروع، وفق الأرقام المنشورة، طريق سريع بنحو 1190 كيلومتراً وسكة مزدوجة مكهربة بنحو 1175 كيلومتراً، بكلفة تقديرية تقارب 17 مليار دولار، وأُعلن بدء أعماله الميدانية أواخر تموز الماضي.

ممرّ نقل أم ممرّ تنمية؟

في التخطيط الإقليمي نفرّق بين «ممرّ نقل» و«ممرّ تنمية». الأول خطّ يربط نقطتين ويختصر الزمن بينهما. والثاني شريط من الأرض تتجمّع حوله المصانع والمخازن والخدمات وفرص العمل.

والفرق بينهما لا تصنعه السكة، بل يصنعه ما يُخطَّط حولها. فالطرق السريعة والسكك المغلقة قد تُحدث ما يسمّيه المخططون «أثر النفق»: تقرّب طرفي الخط أحدهما من الآخر، وتزيد في الوقت نفسه عزلة الأماكن الواقعة بينهما، لأنها تمرّ فيها ولا تدخلها. القرية التي يشطرها السياج تخسر طريقها إلى حقلها، ولا تربح محطة.

ما يقلق ليس التمويل بل غياب الخريطة

انشغل النقاش العام بمن يدفع وكيف. وهي أسئلة مشروعة، فالدفع بالنفط يرهن مورداً ناضباً لعقود، ويستحق أن تُعلَن شروطه كاملة أمام البرلمان والرأي العام.

لكنني لم أجد في ما نُشر خريطة واضحة تقول أين ستقوم المحطات اللوجستية، وأيّ مدينة ستحتضن منطقة صناعية، وكيف ستُحمى الأراضي الزراعية والقرى القائمة على المسار. الحديث الرسمي يَعِد بنحو مئة ألف وظيفة مباشرة وأكثر من مليون ونصف المليون غير مباشرة، وهي أرقام بلا معنى مكاني ما لم نعرف في أي محافظة ستكون، ولمن.

وهنا يصبح السؤال سؤال عدالة مكانية: هل يتوزّع العائد على الأقاليم التي يعبرها المشروع، أم يتركّز في طرفيه، عند الميناء جنوباً والمنفذ الحدودي شمالاً؟ المحافظات الوسطى التي يعبرها المسار يعاني كثير منها شحّاً في فرص العمل، ومن حقها ألا تكون مجرد أرض عبور تتحمل الضجيج وتقطيع الأراضي، بينما تذهب القيمة المضافة إلى غيرها.

تجارب عالمية

واجهت كازاخستان سؤالاً مشابهاً على حدودها مع الصين. بنت هناك ميناءً جافاً في خورغوس بدأ العمل عام 2015، وخطّطت بجواره بلدة جديدة اسمها «نوركنت» يُفترض أن تبلغ مئة ألف نسمة بحلول 2035.

لكن مجلة «يوروموني» وجدت في ربيع 2018 أن البلدة تضم نحو أربعة آلاف ساكن، معظمهم من عمّال الميناء، وأن ثلاثة مبانٍ فقط كانت تعمل من بين نحو مئة مبنى في مجسّم المنطقة الحرة المجاورة. الحاويات عبرت بأعداد متزايدة، لكن المصانع الموعودة بقيت على الورق.

الدرس واضح: الميناء والسكة لا يصنعان مدينة وحدهما. المدينة تنمو حين يتبعها الإنتاج، والإنتاج لا يأتي إلا بتخطيط مسبق وحوافز محددة في أماكن محددة.

الخلاصة

وُصف المشروع بأنه «النهر الثالث» للعراق. والأنهار لم تصنع حضارة هذه الأرض لأنها عبرتها، بل لأن الناس شقّوا منها الجداول إلى قراهم وحقولهم.وإن لم نشقّ من هذا النهر الجديد جداوله إلى المحافظات، فسيبقى ماءً يجري أمام أعيننا إلى غيرنا، لذا يتوجب العمل بالاتي:

وزارة التخطيط بالشراكة مع وزارة النقل: إعداد «مخطط إقليمي لممر التنمية» ونشره للعموم قبل توقيع أي عقد تنفيذ مع الجانب التركي، يحدّد عدداً محدوداً من «العُقد التنموية» في مدن بعينها، تضم كل منها محطة لوجستية ومنطقة صناعية وسكناً للعاملين، بدل توزيع الوعود على طول الخط.

مجلس النواب ووزارة المالية: اشتراط أن يتضمن أي اتفاق تمويل مقابل النفط بنداً ملزماً للمحتوى المحلي، يخصّص نسبة معلنة من العمالة والمقاولات الثانوية لأبناء المحافظات التي يعبرها المسار، مع نشر بنود الاتفاق كاملة.

مجالس المحافظات الواقعة على المسار: تجميد تغيير استعمالات الأراضي حول المحطات المحتملة لقطع الطريق على المضاربين، واعتماد آلية «استرداد القيمة»، أي أن تعود نسبة من ارتفاع أسعار الأراضي الناتج عن المشروع إلى صندوق محلي يموّل الماء والصرف والمدارس في القرى المجاورة.

المصادر

النقل تتحرك لإنشاء صندوق تمويل مع تركيا لتنفيذ «طريق التنمية» مقابل النفط — المدى (10–11 تشرين الأول 2026)

Iraq pursues oil-for-funding pact with Turkey for development road project — Iraqi News (10 تشرين الأول 2026)

Turkey to turn Iraq’s Development Road into multi-fuel energy corridor — Iraqi News (6 تشرين الأول 2026)

طريق التنمية.. نهر العراق الثالث الممتد من الخليج إلى تركيا — الجزيرة نت (3 آب 2026)

Iraq Transport Ministry reports 95% completion of Development Road designs — Iraqi News (12 آب 2026)

Development Road railway system 87% complete — The New Region (كانون الأول 2025)، لأرقام الوظائف

Kazakhstan Belt and Road Initiative: The road to somewhere — Euromoney (أيار 2018)

Nurkent — Wikipedia

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *