العراق من عاصمة القرار إلى رهينة المصالح: متى يستعيد دوره التاريخي؟

العراق من عاصمة القرار إلى رهينة المصالح متى يستعيد دوره التاريخي؟
يستعرض الطرح تراجع الدور العراقي بفعل الحروب والتدخلات والانقسامات، ويرى أن استعادة مكانة بغداد تتطلب مؤسسات قوية، وقراراً وطنياً مستقلاً، وإدارة رشيدة للثروة، وعلاقات متوازنة تحول العراق من ساحة تنافس إلى شريك في صناعة مستقبل المنطقة...

لم يكن العراق يوماً بلداً عادياً في جغرافيا المنطقة، ولم تكن بغداد مجرد عاصمة تتعاقب عليها الحكومات، بل كانت على امتداد قرون مركزاً للقرار السياسي والديني والعلمي والثقافي والعسكري. من بغداد العباسية التي استقطبت العلماء والفلاسفة والمترجمين، إلى العراق الذي امتلك من الثروات البشرية والطبيعية ما يؤهله ليكون قطباً إقليمياً، ظل هذا البلد رقماً صعباً في معادلات الشرق، حتى حين كانت الصراعات تثقل كاهله وتستنزف أبناءه.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف انتقل العراق من موقع الدولة المؤثرة في محيطها إلى موقع الدولة التي تتنازع القوى الإقليمية والدولية على توجيه خياراتها؟ وهل يستطيع استعادة دوره التاريخي، أم أن جراح الماضي ستبقيه أسير حسابات الآخرين؟

لم يبدأ التحول مع الاحتلال الأميركي عام 2003، وإن كان ذلك الاحتلال قد شكّل واحدة من أكثر محطاته تدميراً. فمنذ انهيار الدولة العثمانية، ورسم خرائط المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه، تحكمت فيها المصالح الاستعمارية، وبدأت تتشكل حدود سياسية لم تكن دائماً انعكاساً لإرادة شعوب المنطقة وتطلعاتها. ومع اتفاقية سايكس بيكو وما رافقها من ترتيبات استعمارية، أصبحت المنطقة ساحة لتقاسم النفوذ، فيما واجه العراق تحدي بناء دولة مستقلة وسط تنافس القوى الكبرى.

ومع ذلك، لم يتخلَّ العراق عن طموحه في أن يكون لاعباً إقليمياً. ففي العهد الجمهوري، وخصوصاً خلال مرحلة الرئيس عبد الكريم قاسم ثم مرحلة حزب البعث، احتل موقعاً مهماً في الحسابات العربية. وتفاوتت سياساته وتحالفاته، ودخل في صراعات داخلية وخارجية، لكنه بقي يمتلك عناصر القوة التي تجعل تجاهله أمراً صعباً: النفط، والموقع الجغرافي، والجيش، والقدرات العلمية، والثقل السكاني، والامتداد الحضاري.

وفي حرب السادس من أكتوبر عام 1973، شارك العراق عسكرياً في مواجهة إسرائيل، فأرسل قوات إلى الجبهة السورية، في محطة جسّدت أن العراق لم يكن منفصلاً عن قضايا الأمة، وأن قدراته يمكن أن تتحول إلى عنصر دعم في مواجهة الاحتلال. ولم تكن تلك المشاركة تفصيلاً عابراً، بل دليلاً على أن العراق، رغم خلافاته العربية، كان قادراً على الحضور في معركة تتجاوز حدوده الوطنية.

غير أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 فتح مرحلة شديدة الخطورة. فبدلاً من بناء منظومة أمن إقليمي تستوعب التحولات الجديدة بالحوار والتفاهم، اندفعت المنطقة نحو المواجهة. وفي عام 1980، شنّ العراق بقيادة صدام حسين حرباً على إيران استمرت ثماني سنوات، وسط دعم سياسي ومالي وعسكري متفاوت من دول عدة، بينها دول خليجية خشيت تمدد الثورة الإيرانية. وهكذا تحوّل العراق إلى رأس حربة في صراع إقليمي، دفع شعبه ثمنه من دم أبنائه وثرواته ومستقبل أجياله، فيما تراكمت الديون وتراجعت فرص التنمية.

ثم جاءت حرب الكويت عام 1990، وما أعقبها من حرب دولية وعقوبات طويلة أضعفت المجتمع العراقي ومؤسسات الدولة. وفي عام 2003، أسقط الغزو الأميركي النظام العراقي، وفكك الجيش وأعاد تشكيل بنية السلطة في ظروف أطلقت صراعات داخلية وطائفية، وفتحت أبواب البلاد أمام تدخلات إقليمية ودولية متشابكة. ومنذ ذلك الحين، لم يعد القرار العراقي بمنأى عن ضغوط واشنطن وطهران وعواصم عربية أخرى، ولا عن تنافس المصالح على أرضه.

هنا تكمن المأساة: بلد يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، ومياهاً وأراضي زراعية، وثروة بشرية شابة، وتاريخاً حضارياً عريقاً، يعاني أزمات الخدمات والبطالة والفساد، فيما تتنازع القوى السياسية على السلطة، وتتقدم الولاءات الضيقة أحياناً على المصلحة الوطنية. وليس صحيحاً أن العراق يفتقر إلى مقومات النهوض؛ ما ينقصه هو استقرار القرار، ومؤسسات قوية، وإدارة رشيدة للثروة، وإرادة سياسية تضع مصلحة العراقيين فوق حسابات المحاور.

ومع ذلك، فإن اختزال العراق اليوم في صورة «بيدق» تحركه الدول الأخرى لا ينصف شعبه ولا يصف كامل واقعه. فقد أظهرت بغداد في مراحل مختلفة قدرة على فتح قنوات الحوار بين خصوم إقليميين، والسعي إلى تخفيف التوتر، مستفيدة من علاقاتها المتشعبة وموقعها الجغرافي. لكن الانتقال من الوساطة الظرفية إلى صناعة الأمن الإقليمي يحتاج إلى ما هو أبعد من استضافة الاجتماعات: يحتاج إلى دولة ذات سيادة، واقتصاد منتج، ومؤسسات لا تخضع لابتزاز الخارج أو مصالح الداخل.

إن استعادة العراق لدوره لا تعني الدخول في محور ضد آخر، ولا استبدال تبعية بتبعية جديدة؛ بل تعني امتلاك قرار مستقل، وبناء علاقات متوازنة مع إيران والخليج وتركيا وسوريا، وإقامة شراكات دولية تحترم سيادته ولا تحول ثرواته إلى وسيلة ضغط عليه. فالعراق القوي ليس خطراً على جيرانه، بل يمكن أن يكون جسراً للاستقرار، شرط أن يتحرر من منطق الصراعات بالوكالة.

إلى متى يبقى هذا البلد العظيم أسير ماضي الحروب وأطماع الآخرين؟ ومتى يدرك قادته أن النفط وحده لا يصنع دولة، وأن التاريخ لا يمنح مكانة دائمة لمن يعجز عن حماية حاضره؟

إن بغداد التي أنارت العالم علماً وثقافة، والعراق الذي شارك في معارك الأمة وامتلك يوماً أدوات التأثير، يستحقان أكثر من دور المتلقي لقرارات الآخرين. ويستحق العراقيون دولة توفر لهم الأمن والكرامة والعيش الكريم، قبل أن تطالبهم باستعادة أمجاد الماضي.

فالتاريخ يمنح العراق جذوره، والثروة تمنحه إمكاناته، لكن الإرادة الوطنية وحدها تستطيع أن تعيده إلى موقعه. وحين يصبح القرار في بغداد، لا في عواصم الآخرين، يبدأ العراق رحلة استعادة دوره، لا بوصفه ساحة للصراع، بل شريكاً في صناعة مستقبل المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *