قد يبدو للوهلة الاولى لغير المتخصصين في الدراسات الاقتصادية بان الحديث عن المرض الهولندي هو حديث عن مرض نفسي أو عضوي كالحصبة الالمانية أو حمى مالطا بسبب نقص المناعة أو مهاجمة الفايروسات للجسم او غيرها من الامور التي أُبتلَّيَ بها بنو البشر،غير أنَّ الحديث عن المرض الهولندي أصَبحَ يعني مرضا اقتصاديا تَظهرُ آثاره وتداعياته الاقتصادية على الدول المُصابة به. وللتَّعرف على جذوره التاريخية وأعراضه الاقتصادية والدول الاكثر عُرضَة للاصابة به وعلاقته بالواقع الاقتصادي للعراق ،دعوني أصطحبكم بجولةٍ قصيرةٍ نَتعرفُ فيها على خفايا هذا المر ض! الذي لامَسَ الوضع الاقتصادي العراقي وماتزالُ أعراضه شاخصة وتنتظر من أصحاب القرار السياسي والاقتصادي وصفة اقتصادية محكمة تبدأ على إثرِها تلك الاعراض بالانحسار حتى تذهبَ الى غير رجعة .
يُعّرفُ المرض الهولندي بانه مفهوم اقتصادي يصفُ ظاهرةً اقتصاديةً (Economic Phenomena ) يؤدي فيها التطور السريع لقطاع واحد من الاقتصاد وخاصة الموارد الطبيعية الى حدوث انخفاضات في قطاعات اخرى. تُعدُّ ظاهرة المرض الهولندي مفارقةً متناقضةً ،فعندما تكون هنالك أخبار جيدة لقطاع معين ،يكون هنالك في الجانب الاخر تاثير سلبي على الاقتصاد .إنَّ ارتفاع حصيلة الموارد الطبيعية أدى الى إرتفاع قيمة العملة المحلية في هولندا مما جعل السلع الهولندية المُنتجة غالية الثمن في حين أصبحت السلع المستوردة رخيصةً في نظر المواطن الهول ندي مما قلَّلَ من القدرة التنافسية للمنتجات الهولندية في الاسواق العالمية مما انعكس سلبا على القطاع الخارجي ،والمحصلة النهائية لهذا الوضع هو تردي النشاط الانتاجي وخاصة القطاع الصناعي ولذلك يُطلَقُ على هذه الظاهرة )اللاتصنيع (، وفيظل العزوف على الانتاج وهذا الاضمحلال للنشاط الصناعي تنخفض فرص العمل وترتفع مُعدلات البطالة وبالتالي خلق اوطان غنية ومواطنين فقراء وهذا جوهر الاصابة بالمرض الهولندي.
إنَّ المفارقة في هذا النوع من الامراض الاقتصادية يدعو الى التساؤل ، هل يُمكن أنْ يكونَ اكتشاف المواد الخام الكبيرة لعنة ووبال؟ نعم يمكن هذا ،فحينما تكتشف دولة كميات كبيرة من النفط أو الغاز أو سلعة طبيعية أخرى ، فستبدأ في تصدير هذه السلع مسببةً زيادةٍ كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي ؛ سيؤدي ذلك إلى تحسين الإيرادات الضريبية ، وتحسين الحساب الجاري وخلق فرص العمل. لكن في كثير من الأحيان ، اكتسبت الدول التي اكتشفت النفط أقل بكثير مما قد تتوقعه .
لقد عانتْ دول عديدة من هذا المرض وعلى فترات متباينة ، فقد اُصيبتْ به اسبانيا خلال القرن السادس عشر نتيجة تدفق ثروات كبيرة من الذهب والفضة إليها من مستعمراتها ، كما عانت منه استراليا لاحقا ، وكذلك ظهر هذا المرض في كل من المكسيك ونيجيريا واذربيجان والدول العربية النفطية خلال العقد السابع من القرن الماضي ،نتيجة إرتفاع أسعار النفط الخام في الاسواق الدولية وماترتّبَ عليه من تدفقات نقدية كبيرة لتلك البلد .
عندما نُطبقُ أعراض هذا المرض على الواقع الاقتصادي العراقي، فاننا لن نحتاج الى وقت طويل للتوصل بان اقتصادنا مصاب باعراض ذلك المرض ، حيث أنَّ الموازنة العامة الاتحادية لجمهورية العراق للسنة المالية( 2019 ) كمثال وحسب ما نشرته مجلة الوقائع العراقية في عددها 4529 في 11 شبط 2019 ، تُشيرُ الى أنَّ نسبة الايرادات النفطية وأيرادات الثروة المعدنية التي ترفد الموازنة هي 88.79 % .إنَّ أعتماد الموازنة بنسبة عالية على إيراد احادي الريع وهو النفط ادى الى هدر اموال طائلة ما بعد 2003 نتيجة الفساد وسوء إدارة الموارد الاقتصادية على الرغم من التحسن الكبير في رواتب القطاع الحكومي والذي انعكس ايجابا في توفير السلع الاستهلاكية مثل الالبسة والمواد الكهربائية والسيارات وغيرها ، وعودة النشاط الى قطاع السفر بعد ان غيبّتهُ الحروب وسياسات النظام السابق ،حيث إزدهَرَ عمل مكاتب السفر والسياحة وكثُرتْ أفواج الطلبة الذين يقصدون الجامعات العالمية من أجل الدراسة وعلى نفقاتهم الخاصة دليلا على توفر سيولة دفع تكاليف الدراسة ،ولكن الاقتصاد العراقي وبرغم ذلك ظل مطاردا من الديون الخارجية لعدم القدرة على استثمار تلك الاموال بشكل يقلل من التدهور الحاصل في القطاع الخاص وأرتفاع نسبة البطالة وتدهور الخدمات المجتمعية والصحية .
وبعد انْ مررنا على أعراض المرض الهولندي وآثاره على جسد الاقتصادي العراقي لا بد لنا من معرفة اهم الاسباب التي ادت للاصابة بهذا المرض .
إنَّ أهم الاسباب المشخصَّةَ في أروقةِ واوراق الاكاديميين والباحثين في الشأن الاقتصادي العراقي تتلخص بما يلي :
▪ المذهب الاقتصادي للدولة: قبل إنهيار نظام البعث في عام 2003 ، فان الطابع العام للاقتصاد العراقي كان طابعاَ تتحكم فيه المركزية القوية ولا يمكن تحديد هوية بمعالم معينة بسبب الحروب والحصار الاقتصادي الذي فُرِضَ على العراق نتيجة لاحتلاله الكويت في 2آب عام 1990 ، فسلاسل العقوبا ت الدولية لُفّتْ حول آلته التصديرية النفطية ومنعتْ نفطه من أن يُصّدر، وتوقفتْ المعامل عن الانتاج ،حتى عام 1996 عندما شّرعَ مجلس الامن قانون النفط مقابل الغذاء والدواء والذي أرخى القبضة الحديدية
للعقوبات الاقتصادية وأصبحتْ شحنات النفط تُغادِرُ العراق تحت رقابة الامم المتحدة لتمنعَ النظام السابق من التحكم بعوائد النفط.
إنَّ أقتصاد العراق كان توجهه بعيداً عن اقتصاد السوق اي انَّ الدولة تتحكم بالسياسة الاقتصادية والسياسة المالية .فمجمل القول بان العراق لا يمتلك هوية او مذهبا اقتصاديا محدداً فلا اشتراكية واضحة ولا اقتصاد سوق واضح فالامر ضبابي ومتأرجح وبالتالي فان العوائد النفطية المُتحققة يذهبُ معظمها الى رواتب ومشاريع غير مدروسة بشكل جيد اضافة الى الفساد في بعض القطاعات، فهذا بطبيعة الحال يساعد على إستفحال المرض الهولندي .
▪ أُحادية الاقتصاد العراقي واعتماد موازنته المالية على الايراد النفطي السنوي .
▪التدهور الحاصل في بقية القطاعات الانتاجية وتدني نسبة مساهمتها بالناتج المحلي الاجمالي . GDP
▪عدم وجود كوابح ضريبية تحد من تدفق السلع والبضائع الاجنبية الى داخل العراق ، مما ساهم بشكل كبير في تصدير العملة الصعبة الى الخارج وإرتفاع نسبة البطالة وزيادة معدلات الفق ر .
▪ثبات سعر الصرف للعملة المحلية أمام الدولار الامريكي عن طريق ضخ البنك المركزي لمئات الالاف من الدولارات يوميا ساهم في إختلال الميزان التجاري لصالح الاستيرادا ت .
▪عدم استثمارالعوائد النفطية الهائلة في مشاريع تجارية تُقللُّ عِبءَ البطالة من جهة وتُنمّي رؤوس الاموال من جهة اخرى .
ولكن هل هنالك ما يُخفّفُ من وطاة هذا المرض ويبث الامل في النفوس في إمكانية التعافي منه وتحقيق الرخاء للمواطن العراقي بطريقة تضمن الموازنة والعقلانية بين ماتحققه الدولة من ايرادات وبين ماتنفقه في الموارد المختلفة للانفاق ؟ جوابا على ذلك نقول ، لقد حفلتْ كتب الاقتصادين العراقيين بالعديد من المقترحات والتوصيات بشان إمكانية التعافي من المرض الهولندي ، وتكاد تكون جميع الاراء متفقة في المجمل ولكنها تختلف في بعض التفصيلات ، وأنقل هنا بعض التوصيات التي جاءت بها رسالة ماجستير انجزتها كلية الادارة والاقتصاد – جامعة بغداد في عام 2019 ، حملت عنوان تحليل العلاقة بين المرض الهولندي وهدر الموارد في الاقتصاد العراقي للطالب جبار كريم ثامر، بعد ان قمنا بتشذيبها :
- التخلص من الاحادية والريعية وهدر الموارد التي يُعاني منها الاقتصاد العراقي، ومن ثم بداية الطريق باتجاه التنمية .
- ضرورة العمل على تنويع القاعدة الإنتاجية لزيادة وتنويع مصادر الدخل الأخرى وزيادة التنافسية للقطاعات غير الريعية لتخفيف آثار وأبعاد المرض الهولندي .
- العمل على تبني اتجاه استثماري، وتوفير بيئة ملائمة لتطوير القطاعات الإنتاجية غير الاستخراجية لتساهم في رفع نسبتها في الناتج المحلي الإجمالي، وهذا يعتمد على استخدام الإيراد النفطي كدفعة قوية لتحقيق تنمية شاملة .
- إعادة النظر في رسم الموازنة العامة للدولة من حيث تمويلها وربطها بأسعار النفط العالمية بالاتجاه نحو زيادة مصادر الإيرادات الأخرى لاسيما الضرائب والرسوم مع رفع نسبة الإنفاق الاستثماري مقارنة بالإنفاق الجاري (الاستهلاكي) .


