حياكم الله وأهلاً بكم في مساحة جديدة من التأمل. في هذا الكوكب الكبير وأمام شواهق الحياة وأعبائها، هناك مكان يتفق معظم الناس على حبه. لأنه يستطيع ان يُهدأ عقولنا أسرع من أي دواء .. ويمنحنا شيئاً من السكينة، ويبعدنا عن ضجيج العالم واللهث المستمر. فإيقاع الحياة السريع، وضوضاء المدينة المكتظة بالناس وزحمة السيارات، والاخبار، والمواعيد والالتزامات الغير منتهية، واللهث المستمر اصبح يرهقنا ويشعرنا كأن هنالك أسداً يطاردنا طوال الوقت.
لكن كيف يملك البحر كل هذه السلطة العجيبة ؟ و لماذا نستطيع ان نحدق فيه لساعات دون كلام و دون أن نشعر بأي ملل؟ لفهم حقيقة هذا الشعور .. علينا أولاً أن نعرف أن هناك شفرة سرية بيولوجية ونفسية قديمة تكمن في أصل تكويننا. فجسم الانسان يتكون في معظمه من الماء ولذلك ليس غريباً ان يكون للماء حضور عميق في تجاربنا الحسية.
فيبدو مألوفاً لنا، لأننا امام عنصر يشبهنا في تكويننا لكنه يفوقنا إتساعاً وقوة وهيبة. وهناك إرتباط آخر مابين البحر و الحالة المزاجية فالحرص على التواجد قرب الطبيعة والماء يلامس اكثر من حاسة .. قد يمنحنا تجربة حسية متكاملة تساعدنا على الهدوء والاسترخاء لنصل إلى أعلى قدر ممكن من الصفاء الذهني. يبدأ الامر بحاسة البصر. فإمتداد البحر إلى ما لانهاية بلونه الأزرق الهادئ، يمنحنا راحة بصرية، فهذا المشهد الواسع القليل بالتفاصيل المرهقة للعين يزودنا بقدرة استشفائية مذهلة. و في علم النفس يعد اللون الأزرق هو اللون المفضل لدى اكثر الناس.
فلو حاولت البحث في محركات البحث “قوقل” مثلاً عن اكثر الألوان المفضلة لدى البشر فستظهر النتائج على أن اللون الازرق يليه اللون الاخضر من أكثر الالوان قرباً للبشر. لوجود الكيمياء بينه وبين الدماغ البشري. فعندما تقف امام مساحة كبيرة مثل البحر او الحقول الخضراء الممتده تشعر بأنك صغير أمام هذا الامتداد وبالتالي ستشعر بأن مشاكلك أقل وطأة. فيجردك من “الايغو” لينعكس على شعورك. و يتحول من شعورٍ ثقيلٍ أو حزين إلى تحررٍ ممزوج بالراحة والاسترخاء.
لهذا البعض منا يقول ( سأرمي همومي في البحر ) كما يُلقي الحصى في الماء فللبحر قدرة عجيبة على إستقطاب كل ما نحكيه او نفكر فيه او نحمله في داخلنا. وكل هذا لا يساوي مثقال ذرة امام رهبة البحر و وسعه.
اما حاسة السمع، فيعتبر صوت الامواج عنصراً مهماً ومريحاً للاعصاب. فالتكرار المنتظم لصوت الماء يساعد على التهدئة والتقليل من الضوضاء الداخلية. بالاضافة إلى انه يعلي من هرمون السيروتونين وهو الهرمون الأساسي المسؤول عن شعورنا بالسعادة.
فتخرج من هذا المكان اخف حملاً وأكثر راحة. و مابين الهدوء التام والضوضاء العالية هناك أماكن تجمع مابين هذه الميزتين وأصبح العلماء يطلقون عليها مصطلح ( الضوضاء البيضاء) او ( الضوضاء الوردية ) لان صوت الموج برمته يطلق تترددات صوتية متناغمة بإيقاع ثابت وهادي ينشط جهازك العصبي ويدخله بحالة من التأمل فيغسل روحك المتعبة ويُشعرك بأن ما يضايقك بدأ يتلاشى .. نفس الحالة تحدث عند سماعك لصوت الشلال او صوت المطر او الأمواج التي تضرب الصخور. اما حاسة اللمس فلها حكاية خاصة. فملامسة الماء للقدم او اليد و برودة الرمل او دفئه تحت القدمين، واشعة الشمس حين تكون حاضرة.
كلها تجارب حسية بسيطة تجعل الانسان اكثر ارتباطاً بالمكان واقل انشغالاً بما يدور في رأسة. وبعد كل هذا الوصف الساحر للبحر وجماله، من منا لا يحبه؟ ولا يحتاج إلى أن يمنح نفسه هدنه قصيرة بين حين وآخر وينفصل قليلاً عن ضجيج هذه الحياة؟ فاللهم خفف عنّا ما اثقلنا، وامنحنا من اليقين ما يجعلنا نرى همومنا أصغر من رحمتك، وأحزاننا أهون أمام لطفك، وارزقنا قلوباً واسعة كالبحر ، هادئة كامواجه، عميقة لا تكسرها عواصف الحياة وأجعل لنا مرسىً نصل اليه بعد كل هذا التعب.


