طارق صالح… حين تُعاد صناعة الهزيمة بالوجوه ذاتها

طارق صالح… حين تُعاد صناعة الهزيمة بالوجوه ذاتها
يناقش النص أزمة القيادة داخل المعسكر المناهض لأنصار الله من خلال تجربة طارق صالح، معتبراً أن الهزائم ترتبط بضعف البنية المؤسسية والاعتماد على الولاءات الشخصية أكثر من نقص الموارد أو التسليح....

لم تكن سيطرة انصار الله على مدينة المخا وانسحاب القوات التابعة للحكومة اليمنية منها مجرد انتكاسة ميدانية عابرة، بل كشفت مجدداً أزمة القيادة التي يعانيها المعسكر المناهض للحوثيين، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً: كيف يمكن صناعة النصر بالأدوات والوجوه التي ارتبط تاريخها بالإخفاقات والانقسامات؟ يتولى طارق محمد عبدالله صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، قيادة قوات ما يسمى «المقاومة الوطنية»، كما يشغل عضوية مجلس القيادة الرئاسي اليمني المزعوم وقد نشأ عسكرياً داخل منظومة عمه، وتولى مناصب بارزة في الحرس الخاص والحرس الجمهوري، قبل أن يصبح أحد أبرز قادة القوات المدعومة إقليمياً على الساحل الغربي.

وتكشف مسيرته عن تقلبات حادة؛ فقد قاتلت منظومة عمه انصتر الله في حروب صعدة، ثم تحالفت معهم بعد سيطرتهم على صنعاء، قبل أن ينتهي ذلك التحالف بمواجهة دامية ومقتل علي عبدالله صالح عام 2017. وبعد فرار طارق صالح من صنعاء، عاد إلى المشهد قائداً لتشكيل عسكري جديد، مستنداً إلى دعم سعودي وتسليح واسع، إلا أن هذا الدعم لم يتحول إلى إنجاز حاسم في مواجهة انصار الله.

المشكلة هنا لا تتعلق بنقص السلاح أو المال، بل بطبيعة المدرسة السياسية والعسكرية ( مدرسة البعث المجرم) التي تصنع القادة على أساس القرابة والولاء، لا على أساس الكفاءة والخبرة والمحاسبة. إنها المدرسة القومية العسكرية السلطوية التي رفعت شعارات كبرى عن الوحدة والسيادة والتحرير، لكنها أخفقت عند الاختبارات الحقيقية، لأنها بنت جيوشاً لحماية الحاكم والعائلة، لا لحماية الدولة والوطن. وقد بلغ هذا النموذج ذروته في التجربة البعثية المقبورة تحت حكم المقبور صدام حسين، حين استُبدلت العقيدة العسكرية المهنية بخطاب تعبوي صاخب، ودُفعت الشعوب إلى حروب كارثية انتهت باستنزاف الدول والجيوش وانهيار الأنظمة.

وما يتكرر في اليمن اليوم ليس نسخة مطابقة، لكنه يحمل السمات ذاتها: قيادة مغلقة، وولاءات شخصية، وقرارات مرتبكة، وفجوة واسعة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني. إن توصيف هذا الانتصار لانصار الله يعني الاعتراف بأن الخصم المنظم يستطيع هزيمة معسكر متفوق عليه بالموارد إذا كان ذلك المعسكر ممزقاً بين القيادات والمصالح والولاءات الخارجية، والعقيدة العسكرية المنحرفة. الهزيمة الحقيقية ليست في خسارة مدينة أو موقع عسكري فحسب، وإنما في الإصرار على إعادة تدوير القيادات نفسها، وانتظار نتائج مختلفة منها. فالجيوش لا تنتصر بالأسماء الموروثة ولا بالشعارات القومية، بل بالمؤسسة والكفاءة ووحدة القرار والعقيدة الوطنية.

وما لم تُفهم هذه الحقيقة، ستبقى الهزائم تتكرر، وسيستمر وصف الانسحاب بعد كل خسارة بأنه «إعادة تموضع» أو «خطة استراتيجية»، بينما تقول خرائط الميدان شيئاً آخر تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *