من أبرز العلامات الفارقة بين مجتمع متحضّر وآخر غير ذلك ، ما يتجلى في مظاهر عدة، منها: الالتزام بالمواعيد، والدقة في إنجاز العمل، وتوحّد العقل الجمعي في صف واحد في مواجهة الأخطار المحدقة أو معالجة الأزمات. وقد يُضاف إلى هذه المظاهر التزام الأفراد بالوقوف في صفّ أو طابور – يُعرف باللهجة المحلية بـ “السرة” والتي يرى البعض ان للمفردة ذات جذور تركية – طمعًا في الحصول على خدمة عامة، كالتقديم على وظيفة، أو ختم جواز سفر، أو شراء سلعة، أو ما شابه ذلك.
الطابور.. في المجتمعات المتحضّرة
في المجتمعات المتحضّرة، ترى الناس يقفون في الطابور بصبر وانضباط، لا يتضجرون ولا يتأففون. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يجعل هؤلاء منضبطين، غير متمردين، بخلاف ما نراه في مجتمعاتنا؟
فما إن تضعك ظروف الحياة في طابور ما، حتى ترى العجب العُجاب: وجوه عابسة، وأجواء من التذمر والضيق، وكلمات تُفصح عن عدم الرضا وغياب القبول بالواقع، بل تجد من يتحيّن الفرص لتجاوز الآخرين دون اكتراث.
عوامل انقياد المواطنين وتمردهم
فما السبب؟ لماذا ينقاد أولئك ويتمرّد هؤلاء؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد أن نلجأ إلى مكتبة الأنثروبولوجيا علّنا نجد فيها تفسيرًا مقنعًا. يخبرنا علماء الاجتماع أن الجذور البدوية ما تزال تتحكم في سلوكياتنا، فالبدوي بطبعه لا يحب القيود ولا الانضباط؛ فالصحراء كانت أرضه المفتوحة، والمغانم ميسّرة، وقد اعتاد أن يأخذ حقّه بالقوة، بسيفه أو بندقيته. كما قال أحد شعرائهم:
“ولستُ بمستبدلٍ أرضًا بأرضٍ
ولا مبادلٍ حرّيةً بقيد.”
ولعل معترض يقول لكننا لسنا الوحيدين في المعمورة الذين تعود جذورنا الى الصحراء وهذا بلا شك اعتراض وجيه وجوابه اننا لم نستطع ركوب قطار المدنية الذي استقله غيرنا فقيم الدخالة والنهوة ونصرة الاخ ظالما او مظلوما وغيرها من قيم الصحراء لازالت ترقد في وجداننا رغم اقتنائنا للآيفون وصعودنا طائرات الايرباص.
وهناك سبب آخر قد يدعم هذا الرأي وهو ان ما مرّ على هذه الأرض من تاريخ طويل من القمع والتمييز والاستبداد، ترك أثرًا عميقًا في المواطن. فالأجيال المتعاقبة كبرت تحت ظلال الاستبداد، فترسّخت في النفوس مشاعر الانهزام والنقمة. ومع غياب العدالة، تولّد شعور دفين برفض السلطة، حتى إن تجاوز الطابور أصبح نوعًا من “الانتصار الرمزي” على واقع يشعر فيه المواطن بالخذلان. حين “يضرب السُرّة”، يشعر بلذة الغالب، ولو كانت واهية.
يعول الكثيرون على سلطة القانون ويجعلونها لجاما وكابحا لانفاذ القانون ، ومع وجاهة هذا الرأي فإننا نرى إن ذلك وحده لا يكفي لصناعة مجتمع منضبط، يُقدّر النظام، ويحترم الدور. بل لا بد من تربية مجتمعية متكاملة، تبدأ من الأسرة، وتمرّ بالمدرسة، وتُصقل في الجامعات، وتُعزَّز من خلال سياسات حكومية عادلة، تمنح الناس فرصًا متساوية في التنمية والحياة الكريمة. فقط عندها يمكن التخلص من إرث البداوة والعُقد الاجتماعية، ونخطو بثبات نحو مجتمع واعٍ، متماسك، لا يرى في النظام قيدًا، بل دليل حضارة.


