غالبا ما يُساورُ الكاتبَ أو الباحثَ الترددُ عندما يكونُ بصددِ الكتابةِ في قضيةٍ تخصُّ أو تدورُ حولَ ملفِ إقليمِ كردستان، ومصدرُ ذلك الترددِ هو حساسيةُ ذلك الملفِ من الناحيةِ السياسيةِ والديموغرافيةِ والاقتصادية. ولا غرابةَ في ذلك بسببِ الآثارِ العميقةِ المتراكمةِ في لاوعي الكاتبِ من الأزماتِ والحروبِ التي راحَ ضحيتَها الآلافُ من الأبرياءِ والتي كانت كردستانُ مسرحا لها، وللأسفِ الشديدِ، فأيُّ كاتبٍ ليسَ باستطاعتِهِ أن يُطلِقَ لقلمِهِ العنانَ ليُس طرَ ما يراهُ ويقرأهُ من مشاهدَ سياسيةٍ أو اقتصاديةٍ أو فيما يتعلقُ بشكلِ العلاقةِ النفطيةِ بينَ حكومةِ بغدادَ وحكومةِ الإقليم، فقد يُرمى بسهمِ التنصُّلِ عن عروبتِهِ من وجهةِ نظرِ القوميينَ العربِ وقد يكونُ نصيبُهُ تهمةَ الشوفينيةِ من الجانبِ الآخر! لذا فإنَّ التصريحاتِ أو الكتاباتِ المختلفةَ لباحثينَ أو مسؤولينَ غالبا ما تكونُ مدعاةً للاختلافِ وتُجابهُ بعاصفةٍ من الاعتراضاتِ والتحفظاتِ وما إلى ذلك من مفرداتٍ تَشي بشيءٍ من عدمِ القناعةِ والرضا. ما نحاولُ قولَهُ في هذهِ الوريقاتِ نابعٌ من إيمانِنا بضرورةِ.
ط ي صفحةِ الماضي من الخلافاتِ وتذليلِ ك ل الصعابِ والعراقيلِ التي من شأنِها نكءُ جراحاتِ الماضي الذي لعبتْ بهِ السياسةُ والأطماعُ الشخصيةُ لعبتَها في ج ر المجتمعِ إلى صراعاتٍ وحالةٍ من عدمِ الاستقرار، من أجلِ أنْ ينعمَ الجميعُ بخيراتِ هذا الوطنِ الذي حُرِمَ منها لمدةٍ ليستْ بالقصيرةِ وقد آنَ الأوانُ للمخلصينَ من أبنائِهِ أن يضعوا حداً لتدحرجِهِ المستمرِ إلى وديانِ الفقرِ والجهلِ والعصبيةِ بألوانِها الطائفيةِ والقومية. ما نحنُ بصددِهِ هنا هو جانبُ الاقتصادِ النفط يِ.
والغاز يِ وخارطةُ توزيعِ الثروةِ النفطيةِ والغازيةِ في إقليمِنا الحبيبِ وشكلُ العلاقةِ الحاليةِ بينَ حكومةِ الإقليمِ وحكومةِ المركزِ والتي رَضَعتْ من ثدي الدستورِ )االفقير!( بعضا من مظاهرِ وجودِها الحالي، وشكلُ العلاقةِ التي نطمحُ أنْ تكونَ والتي تحفظُ الوُدَّ والوئامَ وتُبعدُ كلَّ أشكالِ النفرةِ والخصامِ بينَ أبناءِ البلدِ الواحدِ على اختلافِ أعراقِهم وطوائفِهم .
بعدَ أنْ هبَّتْ رياحُ التغييرِ السياس يِ على العراقِ في الثلثِ الأولِ من عامِ 2003 بدخولِ القواتِ الأمريكيةِ العراقَ وإسقاطِ نظامِ البعث، فإنَّ ذلك التغييرَ السياسيَّ لم يُذِبِ الجليدَ القابعَ على قممِ جبالِ كردستانِ العراقِ فحسب، إنما تعدَّاهُ لإذابةِ جبلٍ من جليدٍ كانَ حاجِزاً بينَ أنْ تكونَ هنالكَ علاقةٌ بينَ الإقليمِ والمركزِ قائمةً على أساسِ المواطنةِ واحترامِ خصوصيةِ وثقافةِ الآخرِ وعدمِ التمددِ الجغراف يِ في المناطقِ التي تكونُ ذاتَ خصوصيةٍ مُحددةٍ )رغمَ إيمانِنا الشديدِ بحريةِ.
الإنسانِ في الاستيطانِ في البقعةِ التي يراها مُلائمةً له(، ولا غرابةَ أنْ يمتطيَ صهوةَ رئاسةِ الجمهوريةِ السيدُ جلالُ الطالبان يِ الذي استثنتْهُ كلُّ بياناتِ صدامَ حسينَ في اللحظاتِ المعدودةِ التي كانَ يدَّعي فيها مُسامحةَ واحتضانَ الجميع، وكانَ العراقيونَ يُمنُّونَ النفسَ بأنَّ زمنَ التوترِ والتشنجِ بينَ أطرافِ الجسدِ الواحدِ قد أصبحَ نسيا منسيا وذهبَ إلى غيرِ رجعة، وإنَّ سياسةَ ليِ الأذرعِ وفرضِ الإراداتِ قد أصبحتْ حديثَ الأمسياتِ والذكريات، كيفَ لا وإنَّ رفاقَ اليومِ هم رفاقُ الأمسِ بعدَ أنْ احتضنَ الإقليمُ كوفيةَ العرب يِ إلى جانبِ الشروالِ الكرد يِ في صعيدٍ واحدٍ وهدفٍ واحدٍ هو مواجهةُ الديكتاتوريةِ وحكمِ العائلةِ الواحدة! لبلدٍ تعدَّدتْ خيراتُهُ وتنوَّعتْ ثرواتُهُ، إلا أنَّ تلكَ الأمانيَّ والأحلامَ شيءٌ ودلائلُ الواقعِ شيءٌ مُغاير، فبعدَ أنْ كانَ الصراعُ سابقا صراعا قوميا ووجوديا كما يراهُ الإخوةُ الكردُ وناضلوا من أجلِهِ أعواما طِوالاً، وذهبتْ جحافلُهُم حاملةً البنادقَ في أوديةِ وشعابِ الجبالِ من أجلِ القضيةِ المصيريةِ التي حملَ لواءَها الشيخُ محمودُ الحفيدُ رحمهُ اللهُ في نضالِهِ ضدَّ الإنجليزِ إبَّانَ الاحتلالِ البريطان يِ مطلعَ القرنِ التاسعَ عشرَ ومُروراً برموزِ الحركةِ الكرديةِ والتي لا يستطيعُ أحدٌ عبورَها دونَ التوقفِ عندَ محطةِ مصطفى البرزاني وسامي عبد الرحمن وجلال الطلباني وانتهاءً بمسعود البرزاني رئيسِ الإقليمِ الحالي، تحوَّلَ الصراعُ بينَ المركزِ والإقليمِ إلى صراعٍ حولَ النفطِ والغازِ والعائداتِ المتحققةِ من المطاراتِ والمنافذِ الحدوديةِ حتى عادتْ لغةُ الاتهاماتِ المتبادلةِ تَطرحُ نفسَها وبقوةٍ كلَّما كانَ هنالكَ عجزٌ في الموازنةِ الماليةِ العامةِ بسببِ تذبذبِ أسعارِ النفطِ من جهةٍ وعدمِ وجودِ ما يُؤ طرُ شكلَ العلاقةِ الاقتصاديةِ بينَ الطرفينِ أو بصورةٍ أُخرى مدى التزامِ الإقليمِ بتعهداتِهِ الماليةِ أمامَ حكومةِ المركز، التي ظلَّتْ مدارَ نقاشٍ وبحثٍ تعدَّتْ في أحيانٍ كثيرةٍ إلى اتهاماتٍ مُتبادلةٍ بينَ الأطرافِ جميعاً .
لا شكَّ بأنَّ وجودَ دستورٍ للبلادِ يُح ددُ الأُطُرَ العامةَ لإدارةِ الدولةِ عموما ويُن ظمُ شكلَ العلاقةِ مع إقليمِ كردستانَ وبقيةِ المحافظاتِ كانَ مطلبا سياسيا واجتماعيا،ً فبالرغمِ من الأوضاعِ غيرِ المستقرةِ نتيجةَ وجودِ الاحتلالِ وسخونةِ الشارعِ وموجاتِ العنفِ والإرهابِ التي اجتاحتِ البلادَ، تمَّ التصويتُ على الدستورِ في استفتاءٍ شعب يٍ جرى في الخامسَ عشرَ من تشرينَ الأولِ 2005 بموافقةِ 78 % وكادَ أنْ لا يمرَّ بعدَ أنْ اعترضتْ عليهِ المحافظاتُ الغربيةُ للعراقِ لأسبابٍ عديدةٍ ليسَ من مهمةِ هذهِ السطورِ تناولُها، إلا أنَّ الحزبَ الإسلاميَّ العراقيَّ الذي كانَ ذا سطوةٍ في تلكَ المناطقِ هو الذي أجهضَ عمليةَ الرفضِ من خلالِ تحشيدِ أتباعِهِ على ضرورةِ تمريرِ الدستورِ كأحدِ حلولِ دفعِ عجلةِ العمليةِ السياسيةِ إلى الأمامِ وبعدَ أنْ تمَّ إقناعُهُ من قبلِ الكتلِ والكياناتِ الحزبيةِ الأخرى بتضمينِ مادةٍ تضمنُ إجراءَ تعديلاتٍ لاحقةٍ على الدستورِ )المادتان 126 ، 142 من نسخةِ الدستورِ المنشورةِ على الموقعِ الخاصِ بالبرلمانِ العراقي(، ومضى الدستورُ ودخلَ حيزَ التنفيذِ في عامِ 2006 ولمْ تَرَ تِلكَ المادتانِ نصيبَهُما من التفعيل !!!.
إنَّ وَصْفَ نظامِ الحكمِ بكونِهِ نظاما نيابيا ديمقراطيا اتحاديا هو الذي مهَّدَ الطريقَ دستوريا ليأخذَ الإقليمُ شكلَهُ الحاليَّ وإنْ كانتْ نواةُ الإقليمِ قد تشكَّلتْ منذُ عامِ 1991 بعدَ الرعايةِ الأمميةِ وقراراتِ مجلسِ الأمنِ الدول يِ التي وفَّرتْ حمايةً للكردِ في إقامةِ إقليمِهِمْ بعيداً عن حكومةِ المركز. وكونُ الدستورِ هو الخيمةَ الأكبرَ التي يتمُّ تحتَها تنظيمُ العلاقةِ الاقتصاديةِ بينَ كافةِ الأطرافِ
طبيعةِ العلاقةِ بينَ المركزِ والأقاليمِ من ناحيةِ الثروةِ النفطيةِ والغازيةِ
فقد تضمَّنَ مادتينِ تمثلانِ أهمَّ ما وردَ في الدستورِ حولَ طبيعةِ العلاقةِ بينَ المركزِ والأقاليمِ من ناحيةِ الثروةِ النفطيةِ والغازيةِ وسُبُلِ إدارتِها والاستفادةِ من عوائدِها الماليةِ والاقتصاديةِ الأخرى، ولأهميتِهِما نُبي نُ نصَّ المادتينِ:
المادة ( 111): النفطُ والغازُ هو ملكٌ لك ل الشعبِ العراق يِ في ك ل الأقاليمِ والمحافظات .
المادة ( 112 ) :
أولا : تقومُ الحكومةُ الاتحاديةُ بإدارةِ النفطِ والغازِ المستخرجِ من الحقولِ الحاليةِ مع حكوماتِ الأقاليمِ والمحافظاتِ المُنتجةِ على أنْ تُوزَّعَ وارداتُها بشكلٍ مُنصفٍ يتناسبُ مع التوزيعِ السكانيِ في جميعِ أنحاءِ البلاد، مع تحديدِ حصةٍ لمدةٍ مُحددةٍ للأقاليمِ المتضررةِ والتي حُرِمَتْ منها بصورةٍ مُجحفةٍ من قبلِ النظامِ السابقِ والتي تضررتْ بعدَ ذلكَ بما يُؤ منُ التنميةَ المُتوازنةَ للمناطقِ المختلفةِ من البلادِ ويُنظَّمُ ذلكَ بقانون.
ثانيا ا: تقومُ الحكومةُ الاتحاديةُ وحكوماتُ الأقاليمِ والمحافظاتِ المُنتجةِ معا برسمِ السياساتِ الاستراتيجيةِ اللازمةِ لتطويرِ ثروةِ النفطِ والغازِ بما يُحقِ قُ أعلى منفعةٍ للشعبِ العراق يِ مُعتمدةً أحدثَ تقنياتِ مبادئِ السوقِ وتشجيعِ الاستثمار.
من المُلفتِ للنظرِ هو أنَّ الدستورَ العراقيَّ لعامِ 2005 وهو أولُ دستورٍ شُ رعَ بعدَ المنعطفِ السياس يِ الكبيرِ في عامِ 2003 قد خلا تماما من الثروةِ المعدنيةِ المختلفةِ وتسيَّدتْ الثروةُ النفطيةُ والغازيةُ معظمَ موا دهِ ذاتِ الصبغةِ الاقتصادية، وهو دستورٌ كانَ يترقبهُ الجميعُ وتشكلتْ من أجلِ سن هِ لجنةٌ ضمَّتْ معظمَ الطيفِ العراق يِ رغمَ التمثيلِ الفقيرِ لأبناءِ المحافظاتِ الغربية، لكنْ بالنتيجةِ فإنَّ الدستورَ قد خرجَ إلى النورِ بولادةٍ قيصريةٍ وبتصويتٍ شعب يٍ وفي ظروفٍ حساسةٍ وغيرِ مستقرةٍ لا على الصعيدِ السياس يِ ولا على الصعيدِ المجتمع يِ كما سبقتِ الإشارةُ إلى ذلكَ آنفا.ً
وإنَّ إغفالَ أو استغفالَ فقرةِ المعادنِ التي يمكنُ أن تشملَ الحديدَ والنحاسَ والكبريتَ وغيرها، قد يُحدثُ أزماتٍ مستقبليةً بينَ حكومةِ المركزِ وحكومةِ إقليمِ كردستانَ كما هو حاصلٌ من خلافاتٍ بشأنِ الاستثمارِ النفط يِ والغاز يِ في الإقليمِ والذي يجري بعيداً عن حكومةِ المركزِ والتلكؤاتِ التي تُصيبُ عمليةَ دفعِ رواتبِ موظفي الإقليم !!!.
وبالعودةِ للمادتينِ الدستوريتينِ 111 ، 112 (، اللتينِ وردَتا تحتَ بابِ )اختصاصاتِ السلطاتِ الاتحاديةِ، حيثُ أنَّ ورودَهُما تحتَ هذا البابِ، يدلُّ بما لا يقبلُ الشكَّ بأنَّ المُش رعَ قد أرادَ من وراءِ ذلكَ أن تكونَ للحكومةِ الاتحاديةِ اليدُ الطولى والصلاحيةُ المبسوطةُ في التصرفِ بالثروةِ النفطيةِ والغازيةِ وإدارتِها بما يُحقِ قُ الفائدةَ لك ل المواطنينَ باختلافِ لغتِهم ودينِهم وقوميتِهم، ولكنْ هل كانَ وضعُ تِلكَ المادتينِ تحتَ بابِ )اختصاصاتِ السلطاتِ الاتحاديةِ( عاصما من اندلاعِ نزاعٍ جدل يٍ حولَ ح قِ إقليمِ كردستانَ في إجراءِ عقودِ استثمارٍ نفطيةٍ وغازيةٍ بعيداً عن موافقةِ الحكومةِ الاتحادية؟ الجوابُ قطعا أنَّ ذلكَ لم يكنْ عاصما في نزعِ فتيلِ أ يِ خلافٍ مُحتملٍ بينَ الطرفين، حيثُ أنَّ الحكومةَ الاتحاديةَ لم تُبلَّغْ من قبلِ الإقليمِ بأ يِ نشاطٍ نفط يٍ أو غاز يٍ داخلَ حدودِ الإقليم، لا في سبيلِ الموافقةِ وأخذِ الإذنِ منها ولا في موردِ إطلاعِها كونَها الخيمةَ الكبرى، فضلاً عن الإيراداتِ المتحققةِ من ذلكَ النشاط! هلْ أنَّ غموضَ الموادِ الدستوريةِ وفقراتِها وعدمَ ورودِها بصيغةٍ قطعيةٍ تَضَعُ حداً للاجتهاداتِ في التصرفِ، كما يراهُ البعضُ، أعطى الحقَّ أو
العذرَ للإقليمِ في استقطابِ شركاتٍ نفطيةٍ عالميةٍ للتنقيبِ والإنتاجِ من المكامنِ النفطيةِ والغازيةِ وإبرامِ عقودٍ معها، وبالتالي إثارةِ غبارِ الش كِ حولَ شرعيةِ ودستوريةِ تلكَ العقود؟ رغمَ أنَّ هذا الذي يُقالُ فيهِ شيءٌ من الصحةِ ما يمكنُ الركونُ إليهِ بسببِ تناقضِ بعضِ الفقراتِ الدستوريةِ من جهةٍ وعدمِ صياغةِ بعضِ الفقراتِ بصورةٍ واضحةٍ وقطعيةِ الدلالةِ من جهةٍ ثانية، إلا أنَّنا نعتقدُ أنَّ توفرَ عاملِ حُسنِ النيةِ والتفكيرِ بالمصلحةِ العامةِ والنظرِ إلى العراقِ كجزءٍ لا يتجزأُ أرضا وسماءً هي عواملُ كفيلةٌ بأنْ تضعَ حداً للاجتهاداتِ في إدارةِ ثروةٍ تمثلُ سلةَ الغذاءِ لجميعِ العراقيينَ بعدَ أنْ أصبحتِ الموازنةُ الماليةُ تعتمدُ على نحو 90 % مما يُص درُهُ العراقُ من نفط .
ثابت المفرجي__


