منذ مطلع الألفية الثالثة بدأت العديد من الدول العودة الى السيادة القومية الوطنية وترصين مجتمعاتها على اساس من إحياء روح الامة , ودول كبيرة مثل روسيا الاتحادية والصين والولايات المتحدة , ظهرت وتنامت فيها تيارات فكرية نخبوبة طالبت ببدء خطوات استراتيجية في هذا الاتجاه . فالروح الوطنية التي يتغنى بها الرئيس الروسي لم يسبق ان سمعنا بها قبل اكثر من 100 عام بعد انتصار الثورة البلشفية , والصين قطعت مسارا عظيما في هذا الاتجاه وبدأ الرئيس الصيني يتحدث عن (( الحاجة الى ترصين القيم والمثل والاخلاق الصينية لحماية تقدمنا وحضارتنا الحديثة )) وذلك في سياق استراتيجية تهيئ خلالها الدولة الصينية , ألامة الصينية لتحل محل القوة الاميركية التي تعيش الربع الاخير من نهاية دورتها الحضارية . وانطلاقا من حقيقة أن القوة الاميركية ماضية الى نهاية الدورة الحضارية شأنها شان الحضارات الغابرة سادت ثم بادت , يبحث الاميركيون اليوم عن اطار لنظرية تؤطر للفهم الجماعي للوطنية وحاضنة لروح الامة , فالنقاش محتدم بين النخب المثقفة حول تبني شعار ( أميركا أولاً ) وماهي حدود هذه الرؤية الوطنية ؟ وجاء هذا النقاش وتلك الدعوة للعودة الى روح الامة , من خلال جدل طويل رعاه المثقفون الذين قاموا بدور الوسيط بين الامة والنظام السياسي وقد حقق نجاحا نسبيا في الانتخابات الرئاسية عام 2024 والتي فاز فيها الرئيس ترامب بعد ان تعهد امام (جماعة ماغا ) ذات المنطلقات الوطنية , بأنه سيعمل وفق رؤية جديدة تقوم على اساس من ان القوة الاميركية ينبغى ان تنعكس على رفاهية المواطن الاميركي وليس لمصلحة البروتستانتية -الانجيلية والكارتلات الصناعية الامبريالية والمنظومة الغربية العابرة للمحيطات . ولا يتردد منظروا هذه العقيدة الجديدة في استخدام مصطلحات ومفاهيم من قبيل روح الامة الاميركية والذات الاميركية التي يعتقدون ان الابتعاد عنها لاكثر من مئة عام ادت الى تفشي امراض مجتمعية وثقافية تهدد وحدة الاتحاد الاميركي . استطيع التأكيد باننا قد دخلنا في حقبة النهج السيادي كخيار تتوافق عليه النُظُم السياسية والشعوب الواعية ،وذلك في سياق المتغيرات التي طرأت على معاييرومعادلات وأوزان القوة في الاقليم والعالم . ان اتجاه العالم نحو السيادية واستنهاض قيم الامة القومية الوطنية هو نتيجة طبيعية وخلاصة لنضال الامم الطويل لانهاء التبعية للاحادية التي سعت الولايات المتحدة والاتحادي السوفيتي تكريسها خلال القرن المنصرم . دومنيك شتراوس المدير العام السابق لصندوق النقد الدولي ،لخص المشهد القادم وقال (( المشكلة هي ان الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب تتراجع عن القيام بنهج تعددي لمعالجة التداعيات وبالتالي حصول إخلال كبير في النظام العالمي ..ما يترك الساحة للقوى الاخرى وفي مقدمتها الصين التي قد تذهب الى ماهو ابعد من التعددية الى الاستفراد بالاسواق والمعادن النادرة والاستغلال التكنلوجي وبالتالي تحل الصين محل الاحادية الاميركية .. )) . الى ذلك , تعمل فرنسا منذ سنوات على برامج لاحياء مشروع ألأمة كشرط اساسي لاعادة المكانة السياسية والاقتصادية الفرنسية بعد التوغل الاميركي والصيني في افريقيا والتي تعد الارث الاستعماري الفرنسي القديم . ويسود اعتقاد في فرنسا ان التحوطات الوطنية التي اتخذتها الحكومات خلال العقدين الماضيين هي التي منحت بلادهم دورا محوريا في اوروبا وبالتالي كان الدرس المستخلص من التجربة هو ان السيادية هي من حفظت المصالح الوطنية وليست مؤسسات الامم المتحدة والمنظمات القارية التي ترمز الى العولمة والعالم الواحد التشاركي. والى جانب التجربة الفرنسية , يستشهد انصار النزعة السيادية الوطنية بدور التكتلات الاقليمية والتخصصية كونها تقدم الحماية الجماعية في حدود معينة , ويرون انها فشلت في الدفاع وحماية أعضائها في الازمات الامنية والاقتصادية والتحديات الكبيرة مثل الحروب .
فايران مثلا , لم تقدم لها منظمة شنغهاي ولا منظمة المؤتمر الاسلامي ولا منظمة دول بحر قزوين ولا القريب العقائدي ..أية حماية ومظلة في مواجهة الحروب المتعددة المسارات التي شنت ضدها , ولهذا بدأ الاعلام الوطني يستنهض روح الامة الايرانية وهو ما تجلى باتحاد كافة التيارات السياسية والفكرية والعرقية خلف القائد وخلف الجندي الايراني الذي حقق ملحمة الصمود امام تحالف عدواني ضم اكثر من ثلاثين دولة وتوعد ايران بمحو حضارتها . ان مناصري هذا النهج , وهم ايضا من مناهضي العولمة , يتسألون : أين كان دور الأمم المتحدة إبان جائحة كورونا ؟ واين دور مجلس الامن في حفظ الامن والسلم الدوليين من محاولات اميركا الاستيلاء على كندا وغرينلاند ؟ وكيف يفسر صمت المجتمع الدولي حيال انتهاك الولايات المتحدة للسيادة الفنزويلية ؟ وماهو حجم تأثير الاتحاد الاوروبي في حماية اوكرانيا ؟ وفي أي إطار نفهم الاجراءات الاقتصادية الحمائية العدائية الاميركية التي تستهدف اقتصادات الدول ؟ من كل ذلك يتضح بالنسبة لانصار السيادية الوطنية ان مؤسسات العولمة والتعددية القطبية لم تعد ملائمة في المرحلة القادمة , حينما تتوازن القوتان الصينية والاميركية وتستعيد روسيا الاتحادية دورها المحوري في الجزء الشمالي من الارض . الى ذلك , تركيا العضو في حلف الناتو والتي عانت من الخيبة لعدم انخراط الحلف في الدفاع عنها إبان الصراع الروسي التركي حول سورية , وتواجه اليوم تهديدات اسرائيلية , لجأت انقرة الى ابرام تحالفات ثانوية مثل ( حلف مكة ) الذي تنخرط فيه مع باكستان والسعودية في سياق منظومة امنية واقتصادية وسياسية اقليمية . السعودية الحليف المميز لدى واشنطن , لم تستطع تحمل الضغوط الاميركية , فلجأت للتنسيق مع روسيا في اطار ( أوبك بلاس ) لضمان مصالحها النفطية . لقد صار مفهوما ان العديد من الدول تجنح نحو الفردية في اتخاذ القرارات وابرام الاتفاقيات السيادية لحماية مصالحها حتى لو اضرت بمصالح المجموعة والاطار الجماعي الذي يفترض انها تنتمي اليه سياسيا او اقتصاديا او عقائديا .
وحول تراجع الايمان بالعولمة والتعددية والانتصار للفردية الوطنية ,تقول ريجين بيرون مؤلفة كتاب ( وهم القرن الاميركي ) : ان النهج التعددي يدفع ثمن الوضع العالمي الجديد ، سواء في منظمة الصحة العالمية التي قطعت عنها الولايات المتحدة التمويل، أو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) التي فشلت في الحفاظ على أسعار النفط، أو في مجلس الأمن الدولي الذي لا نسمع صوته له اطلاقا .
لكن ما الذي سينبثق عن هذا التفكك؟ هل تكون النزعة السيادية؟ التعددية بشكل جديد؟ أوهل ستكون الليبرالية منهجا محليا في نطاق الدول؟ في اعتقادي ان نجاح الحكومات التي تتحدث باسم الامة ،لا يتعلق بتعزيز الأرادة الوطنية فحسب , بل في كيفية معالجة التداعيات الاقتصادية والسياسية التي خسرتها دولهم جراء خذلان منظومات العمل الجماعي ,فاتجهت الحكومات نحو تفعيل قدراتها الذاتية الوطنية .. ويبدو ان صعود التيارات الوطنية المنتخبة في اوروبا على سبيل المثال من شأنه اضعاف مؤسسة الاتحاد الاوروبي مثلما ستضعف من النزعة الاستعمارية والتغني بالامجاد التوسعية , وهذه التوابع والتداعيات ستتسع مع تحقيق الحكومات الوطنية نجاحات فردية بمعزل عن أي دعم او تأثير من منظومة الاتحاد الاوروبي .. ذلك الاتحاد الذي أخذ يتضاءل دوره كقوة عمل جماعية شانه شأن العديد من الاتحادات المماثلة التي ادت اخفاقاتها الى (( .. التشكيك في عولمة شبكات التكامل في الانتاج والاستهلاك الجماعي التي بشر بها عالم الاقتصاد البريطاني ديفيد ريكاردو في القرن الثامن عشر حينها توقع ان يؤدي التطور الصناعي والازدهار التجاري الى تحفيز تطوير شبكات قيم عالمية جماعية للقرن الواحد والعشرين)) وفق ما تقوله ريجين بيرون .
ان جمهورية سلوفينيا وعقب استقلالها من الاتحاد السوفيتي عام 1991 لم تجد شيئا لاستغلاله في مناجمها من الحديد والنحاس الذي شفطته الامبراطورية النمساوية ومن ثم السوفيت ,كما وانها صدمت من استعلائية الاوروبيين بعد ان اعتقدت بان الاتحاد الاوروبي هو الحلف المسيحي المقدس الحامي لمسيحية سلوفينا . وجراء تلك الصدمة ،اعتمدت سلوفينيا على ذاتها الوطنية وعادت الى زراعة البطاطا كانتاج وطني وثروة قومية وهي حاليا من الدول الواعدة في التنمية .
ان التجربة السلوفينية مثالا حيا للعديد من الدول في آسيا وافريقا التي ستكون في مهب الريح في مرحلة تصارع وتنافس الدول الكبيرة على احتكار التجارة والاستثمارات واسواق الاستهلاك وتامين مصادر الطاقة, وعلى هذه الدول ان تقبل انها ستكون ضحية الصراع العالمي ، وان تستوعب حقيقة ان النظام العالمي قد تغير ولم يعد احادي القطبية وان العصر الاتي هو عصر آيدليوجية ( الدولة – الامة ) المتماسكة والقوية والناضجة في هويتها الوطنية والمكتملة العقيدة في بناء النظام والدولة وفي وضع الخطط التنموية العملاقة والثورية . ان حقيقة كهذه ،بحاجة الى زعامات او جيل من القادة غير الذين يهيمنون اليوم على مشهد السلطة , فؤلاء الجهلة في الدول البترولية الذين يعتاشون على ثروات شعوبهم الوفيرة ويحتكرون السلطة بما يخدم وجهات نظرهم القصيرة . . سيكون هؤلاء وبالاً وكارثة ستحل على تلك البلدان. ويتفق العديد من المختصين في علم النظم ان أصعب ما ستواجهه الدول ( العائمة ايدلوجيا وعقائديا ) والدول النفطية وما اكثرها في العالم الثالث والمنطقة العربية , هو ان تلجأ شعوبها الى الثورة والتمرد لازاحة الانظمة الحالية والتي بدأ يظهر فشلها جلياً , مالم تبادر النخبة السياسية الى العودة نحو الذات الوطنية والانتقال الى مرحلة البناء.. بناء عقيدة (حاكمية ألأمة ) وبلورة الهوية الوطنية كونها حاجة مصيرية لبقاء تماسك الكيانات والامم.
وإزاء هذه الممكنات , يتعين على دول مثل العراق وسورية ولبنان وليبيا ونيجيريا والمكسيك وما يماثلها من دول مصنفه على انها فاشلة وفق معيار التاثير في والمساهمة في الاقتصاد العالمي بالرغم من ثرواتها الهائلة …عليها ان تستعيد عناصر قوتها الوطنية – القومية انطلاقا من جمع شتات الامة وتفعيل امكاناتها وقدرات أبناءها إستعداداً لسيناريوها عدائية محتملة مقبلة .
والعراق تحديدا ,صار تحت المجهر وعليه ان يترقب بان أي إصطدام بين اميركا والصين وبين روسيا وأوروبا سوف تستغله القوى الاقليمية الصاعدة في منطقتنا لتمضي نحو تصفية حساباتها مع الدول الصغيرة والضعيفة المجاورة ,انطلاقا من ثارات قديمة ,عرقية ومذهبية وأخرى تتصل بالنزاعات على الخرائط .
