حين وقعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) في السابع من آب/أغسطس الجاري بدا للوهلة الأولى أن المنطقة أمام حلف عسكري ثلاثي الأضلاع تقرأ فصوله بعين واحدة إيران. غير أن من يتابع تفاصيل الاتفاق وردود الفعل عليه من طهران نفسها ومن أنقرة يكتشف أن الصورة أكثر تعقيداً من عنوان (ناتو إسلامي) الذي رددته بعض الأقلام على عجل. الاتفاق في جوهره القانوني بند دفاعي جماعي يعتبر أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً. لكن السؤال الذي يستحق مقالاً لا تغريدة هو لماذا تصر طهران الرسمية على أن الاتفاق لا يستهدفها بينما تحسبه أوساطاً إيرانية بوصفه جرس إنذار استراتيجي؟
بين الخطاب الرسمي والقلق غير المعلن
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية قال إن الاتفاق لا يشكل تهديداً لبلاده وحاول تحويل دفة النقاش نحو (مشروع إسـ ـ ـرائيل الكبرى) باعتباره الخطر الحقيقي على دول المنطقة. هذا الخطاب الدبلوماسي المتحفظ يتناقض جزئياً مع ما تكتبه بعض الصحف والمواقع المحافظة في طهران التي رأت في الاتفاق محاولة لبناء موازنة إقليمية جديدة تجاه تطويق ايران حتى وإن لم يصغ بلغة عدائية صريحة والحقيقة أن الخطر من المنظور الإيراني لا يكمن في الاتفاق بصيغته الراهنة بل في مآلاته المحتملة أن يتحول من مذكرة تفاهم دفاعي إلى بنية عسكرية أكثر تماسكاً بقيادة وهيكل قيادة مشترك وترتيبات تسليح وتنسيق استخباري دائم.
هنا تكمن نقطة الضعف في القراءة السطحية التي تصف الاتفاق بأنه تطويق لإيران فالمعطيات الميدانية تقول عكس ذلك تماماً، تركيا وباكستان الشريكان الأساسيان للرياض في هذا الترتيب هما تحديداً الأقل قابلية لأن تتحولا إلى طرف في مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران. أنقرة تربطها بإيران علاقات اقتصادية وحدودية وأمنية معقدة تشمل ملفات الطاقة والتجارة وأكراد المنطقة وهي علاقات لا يمكن التضحية بها لصالح محور مواجهة. أما إسلام آباد فترتبط بطهران بحدود مشتركة حساسة وملفات أمنية دقيقة ولم تبد حتى في أحلك لحظات التوتر الأخيرة أي استعداد لتحويل شراكتها الدفاعية مع الرياض إلى أداة ضغط على جارتها الإيرانية. ولذلك جاء تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حين أكد أن الاتفاقية لا تستهدف إيران ولا أي دولة أخرى وأن الدول الثلاث لا تعتبر أي طرف عدواً لها ما لم يبادر إلى الاعتداء عليها تعبيراً دقيقاً عن هذه الحقيقة الجيوسياسية لا مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة.
القراءة الإيرانية: فشل المظلة الأمريكية ولا نجاح للحصار
والأعمق من ذلك يذهب هذا التحليل إلى أن الاتفاق يعكس أولاً وقبل كل شيء تصدعاً في الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية التقليدية في الخليج والمنطقة. دول وقعت لعقود على اتفاقيات دفاعية ثنائية مع واشنطن وجدت نفسها بعد الحرب الأخيرة مضطرة للبحث عن ترتيبات بديلة أو مكملة تعتمد على قدراتها الذاتية وعلى تضامن إسلامي إقليمي. من هذه الزاوية اتفاق مكة ليس انتصاراً لمشروع احتواء إيران بقدر ما هو اعتراف ضمني من داخل المعسكر المرتبط تاريخياً بواشنطن بمحدودية الرهان الكامل على الحليف الأمريكي.
السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه بصراحة
يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل هذا تحالف موجه ضد إيران أم بداية نظام أمني إسلامي إقليمي جديد لا يستهدف طرفاً بعينه؟ المفارقة أن الطرفين الموقعين وطهران عاجزان عن حسم الجواب بشكل قاطع. فإذا كان الاتفاق موجهاً ضد إيران فلماذا تصر أنقرة الشريك الأكثر ثقلاً عسكرياً في الترتيب على نفي ذلك بشكل متكرر وواضح؟ وإذا لم يكن موجهاً ضدها فلماذا تنظر إليه أوساط إيرانية متشددة باعتباره تهديداً استراتيجياً يستحق المتابعة الدقيقة؟
الإجابة الأقرب إلى الدقة في تقديري، أن الاتفاق ليس موجهاً بالأساس ضد طرف بعينه بقدر ما هو محاولة لإعادة هندسة موازين القوى والأمن في المنطقة بعد حرب غيرت كثيراً من المعادلات القديمة. وطهران في العمق لا تخشى اتفاق مكة بوصفه تحالفاً عسكرياً مكتمل الأركان فهي تدرك جيداً هشاشة هذا الوصف في ظل العلاقات المتشابكة بين أطرافه وإيران نفسها.
نقطة الخطر الحقيقية: مابعد اتفاق مكة
لا تكمن مخاوف طهران في اتفاق مكة بصيغته الحالية بقدر ما تكمن في احتمال إعادة توظيفه مستقبلاً ضدها. فالاتفاق وإن قدم باعتباره إطاراً دفاعياً إقليمياً قد يتحول تحت ضغط التطورات أو بتأثير أمـ ـ ـريكي إلى أداة للضغط على إيران أو إلى ساحة يستغلها الكـ.ـيان الصهـ ـ ـيوني لإعادة ترتيب التناقضات بين دول المنطقة وتوجيهها نحو خصم مشترك. ولهذا تنظر طهران إلى الاتفاق بحذر فهي لا تخشى (ناتو إسلامي) بل تخشى أن يتحول هذا الإطار تدريجياً إلى تحالف أمني وعسكري تكون عدوته إيران.


