وسأذكر المفاصل الرئيسة على عجالة واضيف لها ما لم ينشر سابقاً ، فحين قدم السيد مخطوطة الكتاب الى وزارة الثقافة والاعلام لإجازته فأحالته الى وزارة الاوقاف كون علاقتها مع المفكر لم تكن جيدة كما اشرنا ، وكانت اوامر منع نشر مقالات المفكر في الصحف تتم بصورة رسمية وغير رسمية ، كان خبير الاوقاف الدكتور بشار عواد معروف (الذي اعترف مؤخرا في لقاء تلفزيوني مع د.حميد عبد الله بانه كتب تقريراً من اربعين صفحة ضد كتاب سلطة الحق واتهم مؤلفه بانه يتماشى مع الطروحات الخمينية ـ العراق في حرب ضد ايران) ، فكتب السيد مقالة في جريدة (العراق) ، في شباط 1988 يسخر فيها من الرقابة على المؤلفات وحقوق المؤلف ، لقد كانت علاقة السيد بالسلطة غير جيدة (محال الى التقاعد منذ عام 1978) ، وقائمة على اشكالية المثقف مع السلطة السياسية ، وكانت المناورة على قدم وساق ، فالسيد لا يريد ان يمنح السلطة فرصة الانقضاض عليه وتصفيته من جانب ، ويريد الاصلاح والتأثير على السلطة لتقويمها من جانب آخر.
واضيف لها ضغينة البراك وهو مدير المخابرات المقرب لصدام في حينها ، ومدير الامن السابق ، والشيء بالشيء يذكر ، ففي آيار 2020 سجل الاعلامي الدكتور حميد عبد الله في برنامجه (تلك الايام) على منصته الشهيرة في موقع يوتيوب نحو اربع حلقات عن البراك ، ويروي حادثة تعكس مدى تأصل العقلية البدائية لديه ، بالرغم من علميته ـ أي البراك ـ ومختصرها انه اعجب بسيدة موظفة ودرجتها مدير عام وسألها عن زوجها فقالت له انه مسافر منذ اكثر من سنة (يعمل في احدى الملحقيات او السفارات العراقية) فقام البراك بالإرسال الى القاضي المعروف (م) وطلب منه ان يطلق السيدة من زوجها غيابيا وان يزوجها له! وبعد ستة اشهر طلب القاضي نفسه مرةً ثانية ليطلقها منه ويعيدها الى زوجها السابق!.(على حد رواية د.حميد). بهذه العقلية كان مدير المخابرات العامة ، وعليه يمكن التكهن بما يمكن القيام به تجاه كاتب ومفكر ، وشقيقه.ويمكن تصور محنة الفكر في ظل عهد حكم الجهلة الذين لا يقدرون اهمية المفكر واحترام آرائه وحريته.
كان صاحب (دار الاداب) البيروتية الدكتور سهيل ادريس رحمه الله وهو من اصدقاء السيد في زيارة الى بغداد وقام الدكتور الموسوي بتكليف من المفكر بإعطائه نسخة من مخطوطة كتاب سلطة الحق ، وبعد ايام طبع الكتاب في بيروت ، وتابعه البراك ، وما ان وصلت نحو خمسة نسخ الى المؤلف بشكل سري بيد الاديب اللبناني جهاد فاضل حتى دهمت قوة من الامن العام منزله بعد منتصف الليل ، بمعنى ان السلطات الامنية كانت منشغلة بالكتاب ومؤلفه عام 1988 ، رغم الظروف التي يمر بها البلد ورغم ان الكتاب طبع خارج العراق.
ويقول المحامي محمد السيد جاسم شقيق المفكر ، كنت في المنزل ، وكنت نائماً عندما باغتتنا قوة امنية ، وإذ انسى ، فلا انسى نظرة العتب والغضب التي نظر بها السيد لي ، فلم يسعفه الوقت على سحب سلاحه الشخصي ، كان عازماً على المقاومة.
اقتيد السيد الى مبنى الامن العامة بشارع النضال مقابل القصر الابيض ، وفي الوقت نفسه من الليلة ذاتها كانت قوة اخرى قد اقتادت الدكتور الموسوي ايضا ، كان تقرير خبراء فاضل البراك ، وهم د . بشار عواد معروف ، ود. رشدي عليان ود. عرفان عبد الحميد ، سيئا ، وطائفياً ، كما كان تقرير المخابرات قد وصل الى صدام ، ومفاده ان الكتاب يضر بالأمن القومي ، ويؤجج الطائفية وينسف خلافة الخلفاء الراشدين ، وغيرها من الامور التي تم سوقها بما يكفي لإصدار امر الاعدام ، لكن صدام تريث لسبب او لآخر ، كما كانت التقارير تصله من سبعاوي ابراهيم الحسن وبرزان التكريتي ضد البراك ، لخلافات شخصية فيما بينهم ، هدفها التفرد بالتقرب اليه ـ اي الى صدام ـ ، فجاءت الاوامر بان يتم شراء جميع النسخ التي طبعتها (دار الاداب) ، ويقول مدير الدار الوطنية الراحل صباح سلمان رحمه الله في شهادة كتبها وقرأها في اول استذكار عن السيد أقمناه عام 2004 في مبنى كلية الاعلام بجامعة بغداد وكانت العميدة د. حميدة سميسم ، وتبنته جريدة (الزمان) التي كنت اعمل فيها ، يقول : كلفني وزير الثقافة والاعلام ـ لطيف نصيف جاسم ـ باستدعاء مدير دار الآداب البيروتية سهيل ادريس الى بغداد وعرض شراء جميع نسخ كتاب سلطة الحق واخذ تعهد خطي منه بعدم طباعته مرة ثانية ، الح وبالفعل قمت بذلك وجاء الراحل سهيل ادريس على وجه السرعة والتقى به الوزير بحضوري وقد اعرب الاخير عن امتعاضه من طباعة الكتاب وتم الاتفاق على تحويل مبلغ الكتب بالعملة الصعبة رغم ظروفرب وصعوبة التحويل الا ان الوزير استحصل الموافقات على ذلك ، كما يروي الراحل صباح سلمان احداثاً اخرى عن محنة السيد ومواقف حصلت مع صدام عام 1976 سآتي إلى ذكرها في محلها.
جاءت اوامر القصر ، بتأليف كتب عن الخلفاء الثلاثة ابو بكر وعمر وعثمان ، وطباعة نسخة مغايرة لكتاب سلطة الحق (مزورة) وكتاب خامس عن صدام ، هذا هو شرط الافراج عن الشقيقين ، واما ينتهيان الى ما هو معروف ، وما ان وصلت الاوامر حتى اقدم المفكر عزيز السيد جاسم على محاولة الانتحار!.
كانت الحبوب التي يحتويها الجيب الداخلي للسترة التي يرتديها جاهزة لمثل هذه المواقف فنقل الى المستشفى (العسكري) ، ليقضي ليلتين فيها ، لقد أقدم على التضحية بحياته في سبيل التخلص من هذه الصفقة. لقد قال لشقيقه وهو ينتظر عودته من المستشفى الى السجن : ( لا عليك ، كدت أرى الله).


