هل أنا ذيل؟ هل لي علاقة بإيران؟ وهل علاقتي بإيران أقوى من علاقتي بالعراق، موطني ومحل مولدي؟”
أسئلة تُطرح عليّ باستمرار، تحمل في طيّاتها اتهامات مبطّنة ومفاهيم مشوّشة عن الانتماء والولاء. لكن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تُستمد من الجغرافيا أو الاصطفافات السياسية، بل من صميم العقيدة والهوية الإيمانية، كما رسمها القرآن الكريم وبيّنها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أمة الاستحقاق لا الادعاء
قال تعالى:
{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}
وفي موضع آخر:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ…}
هاتان الآيتان لا تتعارضان، بل تتكاملان في تصوير واقع الأمة: من تصدُق في أداء دورها الرسالي تستحق وصف “خير أمة”، أما إذا قصّرت أو انحرفت، فإن السنّة الإلهية تقتضي الاستبدال بقوم آخرين أكثر أهلية، يحبهم الله ويحبونه، لا يخافون في الله لومة لائم.
وفي تفسير الميزان للسيد الطباطبائي، يُروى عن الإمام الصادق عليه السلام أن الأمة المذكورة في الآية الأولى هي تلك التي شملتها دعوة إبراهيم، أمة وسطًا، اختارها الله لحمل أمانة الرسالة. وهذا التفسير لا يُنكر إمكانية استبدالها، بل ينسجم تمامًا مع سياق الآية الأخرى.
ويؤكد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى في حديثه المشهور:
“لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال من فارس” (رواه مسلم).
وفي حديث آخر، أشار إلى سلمان الفارسي وقال: “هذا وأصحابه” حين سئل عن القوم الذين يُبدّل بهم الله من يرتدّ عن دينه.
عبادة لا تُفصّل على المقاس
قال تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
العبادة ليست شعارات أو انتماءات شكلية، ولا يُحددها الهوى أو المزاج أو الأعراف الاجتماعية، بل تُمارَس وفق ما جاء به الوحي وما صحّ عن النبي الأكرم، الذي لا ينطق عن الهوى.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحملة الرسالة من بعده، وهم أهل بيته الطاهرون، الذين أُمرنا بولائهم في قوله تعالى:
{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}
وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الإمام علي عليه السلام، حين تصدّق بخاتمه وهو راكع.
وضوح الموقف في زمن الالتباس
لقد أخبرنا القرآن والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الانحراف سيصيب الأمة، وأن الإيمان الحقيقي ليس مجرد قول:
{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}
وفي ظل هذا الالتباس، يتوجب على المؤمن أن يحدد موقفه بدقة ووعي: هل هو مع من استُبدل بهم القوم الأولون، الذين حملوا الرسالة بصدق؟ أم مع من تخلّفوا عنها وارتدوا عنها باطنًا وإن أظهروها ظاهرًا؟
خلاصة الموقف
لست تابعًا إلا لمن أمر الله باتباعهم، وبشّر بهم النبي، وأُشير إليهم في النصوص القرآنية والحديثية، وهم قوم سلمان الفارسي، الذين لا يعرفون في الله إلا الحق، ولا يحملون انتماءً إلا للدين.
{وَكُلُّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ}


