الملخّص
يُعد موضوع الأوقاف أحد المحاور الأساسية في فهم تطور المجتمعات الإسلامية عبر العصور، كونه يمثل واحدة من أهم المؤسسات التي أثرت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد اتخذت الأوقاف في العهد العثماني بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز الجانب الخيري، لتصبح أداة فاعلة في إدارة المجتمع وتنظيم شؤونه. من هذا المنطلق، يأتي مقال الدكتور عصام البياتي بعنوان “الوثائق الأرشيفية المتعلقة بأوقاف كركوك” ليسلط الضوء على تجربة كركوك كمدينة وقفية، مبيّنًا كيف شكلت الأوقاف بنية تحتية متكاملة للحياة في المدينة، استنادًا إلى وثائق أرشيفية عثمانية دقيقة تغطي القرن السادس عشر الميلادي. يكشف المقال عن مدى تعقيد وتشعب الشبكة الوقفية في كركوك، التي لم تقتصر على المساجد والزوايا، بل شملت الأضرحة، والمزارع، والمرافق الاقتصادية، وساهمت في دعم الحرمين الشريفين في مكة والمدينة.
النص
الجانب التاريخي والجغرافي لكركوك
تقع مدينة كركوك شمال العراق، وتمتاز بتاريخ طويل ومعقد، حيث كانت منذ العصور القديمة ملتقى للحضارات والديانات المختلفة، من الآشوريين إلى الساسانيين، ومن العرب المسلمين إلى الترك العثمانيين. ظهرت تسميتها لأول مرة في المصادر التاريخية باسم “الكرخ” أو “الكرخينا”، ثم عُرفت بـ”شهرزور”، قبل أن يُعتمد اسم “كركوك” رسميًا في الوثائق العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر. موقع المدينة الجغرافي بين نهري دجلة والزاب، وخصوبة أراضيها، جعلاها مركزًا اقتصاديًا وزراعيًا مهمًا، وساعدا في نمو شبكة من الأوقاف الداعمة لمختلف مرافق الحياة العامة.
خضعت المدينة للحكم العثماني بشكل نهائي بعد حملة السلطان سليمان القانوني عام 1534، لكنها كانت في مراحل سابقة محط صراع بين السلالات المحلية مثل الجلائريين، والقره قوينلو، والآق قوينلو، والصفويين. وعلى الرغم من هذه التحولات، فإن مؤسسة الوقف استمرت في الوجود، مما يدل على رسوخها كمكوّن ثقافي وديني.
مفهوم الوقف ووظيفته في العهد العثماني
الوقف في المفهوم الإسلامي يعني حبس المال ومنع التصرف في عينه، وتخصيص ريعه للمنفعة العامة أو الخاصة الدائمة. في الدولة العثمانية، تحولت الأوقاف إلى نظام إداري دقيق وشامل، شمل مختلف نواحي الحياة من بناء المساجد، الزوايا، المدارس، المستشفيات، إلى دعم الفقراء، الحجاج، والأيتام. واعتمدت الدولة على الأوقاف لتخفيف العبء عن خزينة الدولة، وفي الوقت ذاته لضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
إن الدولة العثمانية لم تقم فقط بتأسيس أوقاف جديدة، بل عملت أيضًا على توثيق الأوقاف القائمة من العصور السابقة، وهو ما يعكس سياسات التكيّف والدمج التي انتهجها العثمانيون مع المناطق التي دخلوا إليها.
وقف الحرمين الشريفين في كركوك
من أبرز النماذج الوقفية هو “وقف الحرمين الشريفين”، الذي حاز على مكانة كبيرة في النظام الوقفي العثماني. وفقًا للوثائق، خصصت عدة قرى ومزارع وأراضٍ في كركوك لدعم هذا الوقف، حيث تم تحويل عوائدها إلى مكة والمدينة لدعم الأنشطة الدينية وتوفير الخدمات للفقراء والحجاج والمقيمين هناك.
من الأمثلة البارزة، قرية “إيفجوش”، التي بلغ دخلها أكثر من 95 ألف آقجة سنويًا، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت. وقد تم تخصيص جزء من هذا الدخل لتغطية نفقات زاوية الإمام إسماعيل في القرية، بينما خُصص القسم الأكبر للحرمين الشريفين. وتضمّن هذا الوقف ضرائب من محاصيل القمح والشعير، ورسوم عبور الأنهار، وإيرادات من تربية المواشي وتجارة الأحذية والحديد.
و هکذا قرية “باعورة”، الواقعة في ناحية داقوق، التي كانت تضم أوقافًا لأضرحة وشخصيات دينية، وخصصت عائداتها، التي بلغت أكثر من 10 آلاف آقجة، لوقف مكة.
أوقاف الزوايا الصوفية في كركوك
تلعب الزوايا الصوفية دورًا كبيرًا في النسيج الديني والاجتماعي في كركوك، حيث كانت مراكز للإيواء والتعليم والخدمة المجتمعية. أظهرت الوثائق وجود أكثر من 11 زاوية في كركوك وداقوق، أبرزها زاوية الإمام محمد السيدي، وزاوية الشيخ قواس، وزاوية الشيخ مكّي.


