محاولات محو آثار الحضارة الإسلامية … هدم قبور أئمة البقيع أنموذجا

محاولات محو آثار الحضارة الإسلامية ... هدم قبور أئمة البقيع أنموذجا
كما وكان التخريب لآثار المدينة المنورة أشد ‏وأعظم، فهدمت قبور أئمة آل البيت عليهم السلام ‏في البقيع، وقبور شهداء أحد، وغيرها العشرات ‏من المواضع التاريخية والأثرية....

جميع الأمم والمجموعات البشرية قديما وحديثا، ‏تحاول جاهدة حفظ آثار أسلافها، والعناية بها، ‏فتنفق من أجل ذلك الأموال الطائلة لترميمها ‏وحمايتها من الاندثار والزوال، لما في تلك الآثار ‏من دلالة على عظمة الأمة، وعمق أثرها في التاريخ ‏الإنساني.‏

والآثار الإسلامية علاوة على كونها تاريخا للبشرية ‏جمعاء، تحمل من جانب آخر أبعادا روحية، ونفحة ‏قدسية، وتذكيرا للمسلمين بتاريخهم المشرف، ‏ومجدهم العريق، وتدفعهم بقوة للعمل في خدمة ‏الإسلام العظيم.‏

إن هذه المعالم والقبور ليست لمجرد الزيارة ‏والتبرك، وإنما هي محطات لاستلهام العبر وشحذ ‏الهمم، والتزود بالقيم والأخلاق التي كان يحملها ‏أصحاب هذه القبور.‏

لكن ما يؤسف له فإن الحكام الطغاة من هذه ‏الأمة يتبعون سياسة محو وتغيير معالم قبور ‏الشهداء والصالحين، وكل الداعين الى قيم الخير ‏والفضيلة.‏

وأسباب هذا السلوك معروفة، لأن في هذه القبور ‏يكمن سر يقض مضاجع الطغاة، ويبث الرعب في ‏قلوبهم، لأنها تستنهض همم الناس ضد الظلم ‏والجور والطغيان.‏

وتذكر هذه القبور الأجيال بقيم الخير والفضيلة ‏والإنسانية التي يسعى الظالمون جاهدين الى حرف ‏الناس وابعادهم عن تلك القيم.‏

كما وأن ازدحام الناس حول هذه القبور والآثار ‏المباركة يشعر الطغاة بتفاهتهم وصغارهم أمام ‏تلك العظمة، ويشعرهم أن محاولاتهم الاستحواذ ‏على قلوب الناس قد ذهبت أدراج الرياح.‏

ولعل بدايات هذه الحرب على الإسلام وعلى آل ‏البيت (ع) ومشاهدهم، وكل مكان يمت لهم بصلة ‏بدأت في أيام الحرب بين المسلمين والمشركين، وأن ‏فكرة محو آثار الصالحين، وكل ما يمت الى ‏الإسلام بصلة فكرة أموية بحتة. ‏

ولا نريد أن نطيل البحث التاريخي في هذا المجال، ‏لكن وللأسف فإن هذا الفكر قد بعث من جديد ‏من قبل زمرة من ذوي العقول المتحجرة، والأفكار ‏المتطرفة، فعمدت الى الآثار الإسلامية فوسعتها ‏هدما وتخريبا، بحجة كونها من ذرائع الشرك ‏ووسائله، ووسائس الشيطان وحبائله.‏

فقاموا بتهديم كل معالم الحضارة الإسلامية في ‏مكة المكرمة والمدينة المنورة، كقبة مولد الرسول ‏صلى الله عليه وآله، ومولد بضعته فاطمة ‏الزهراء، وقبر أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ‏وقبر السيدة آمنة بنت وهب والدة النبي صلى الله ‏عليه وآله، وآثارا أخرى ذات أهمية بالغة على ‏المستوى التاريخي كدار الخيزان التي كان النبي ‏‏(ص) يعبد الله فيها سرا، ودار الأرقم التي كان ‏يجتمع فيها المسلمون سرا بالنبي (ص)، وهذه ‏كلها آثار وشواهد عظيمة كانت تستحق التكريم ‏والتعمير، بدلا من هدمها وتخريبها.‏

كما وكان التخريب لآثار المدينة المنورة أشد ‏وأعظم، فهدمت قبور أئمة آل البيت عليهم السلام ‏في البقيع، وقبور شهداء أحد، وغيرها العشرات ‏من المواضع التاريخية والأثرية.‏

فقد تعرضت قبور آل البيت (ع) للهدم والتخريب ‏مرتين، الأولى: في عهد الدولة السعودية الأولى عام ‏‏1220هـ، وبعد سقوط الدولة السعودية على يد ‏إبراهيم باشا وجيش مصر الذي أرسله محمد علي ‏باشا حاكم مصر، أعاد المسلمون (أعزهم الله) ‏بناء تلك القبور بأفضل هيئة وأحسن مما كانت.‏

وبعد قرن من الزمان ضعفت الدولة العثمانية ‏وتراخت قضبتها عن الجزيرة العربية، ودخل ‏البريطانيون كلاعب قوي في دعم آل سعود، فبدأت ‏محاولة أعادة دولتهم الآفلة الى الحياة سنة ‏‏1911م، وقد تحقق ذلك سريعا، فغرقت الجزيرة ‏العربية في بحر من الدماء مرة أخرى، وأحتل ‏الوهابيون مكة والمدينة وطردوا الشريف حسين ‏شريف مكة، وقاموا بهدم معالم الحضارة ‏الإسلامية مرة أخرى عام 1344هـ، 1925 أو ‏‏1926م.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *