جميع الأمم والمجموعات البشرية قديما وحديثا، تحاول جاهدة حفظ آثار أسلافها، والعناية بها، فتنفق من أجل ذلك الأموال الطائلة لترميمها وحمايتها من الاندثار والزوال، لما في تلك الآثار من دلالة على عظمة الأمة، وعمق أثرها في التاريخ الإنساني.
والآثار الإسلامية علاوة على كونها تاريخا للبشرية جمعاء، تحمل من جانب آخر أبعادا روحية، ونفحة قدسية، وتذكيرا للمسلمين بتاريخهم المشرف، ومجدهم العريق، وتدفعهم بقوة للعمل في خدمة الإسلام العظيم.
إن هذه المعالم والقبور ليست لمجرد الزيارة والتبرك، وإنما هي محطات لاستلهام العبر وشحذ الهمم، والتزود بالقيم والأخلاق التي كان يحملها أصحاب هذه القبور.
لكن ما يؤسف له فإن الحكام الطغاة من هذه الأمة يتبعون سياسة محو وتغيير معالم قبور الشهداء والصالحين، وكل الداعين الى قيم الخير والفضيلة.
وأسباب هذا السلوك معروفة، لأن في هذه القبور يكمن سر يقض مضاجع الطغاة، ويبث الرعب في قلوبهم، لأنها تستنهض همم الناس ضد الظلم والجور والطغيان.
وتذكر هذه القبور الأجيال بقيم الخير والفضيلة والإنسانية التي يسعى الظالمون جاهدين الى حرف الناس وابعادهم عن تلك القيم.
كما وأن ازدحام الناس حول هذه القبور والآثار المباركة يشعر الطغاة بتفاهتهم وصغارهم أمام تلك العظمة، ويشعرهم أن محاولاتهم الاستحواذ على قلوب الناس قد ذهبت أدراج الرياح.
ولعل بدايات هذه الحرب على الإسلام وعلى آل البيت (ع) ومشاهدهم، وكل مكان يمت لهم بصلة بدأت في أيام الحرب بين المسلمين والمشركين، وأن فكرة محو آثار الصالحين، وكل ما يمت الى الإسلام بصلة فكرة أموية بحتة.
ولا نريد أن نطيل البحث التاريخي في هذا المجال، لكن وللأسف فإن هذا الفكر قد بعث من جديد من قبل زمرة من ذوي العقول المتحجرة، والأفكار المتطرفة، فعمدت الى الآثار الإسلامية فوسعتها هدما وتخريبا، بحجة كونها من ذرائع الشرك ووسائله، ووسائس الشيطان وحبائله.
فقاموا بتهديم كل معالم الحضارة الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كقبة مولد الرسول صلى الله عليه وآله، ومولد بضعته فاطمة الزهراء، وقبر أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وقبر السيدة آمنة بنت وهب والدة النبي صلى الله عليه وآله، وآثارا أخرى ذات أهمية بالغة على المستوى التاريخي كدار الخيزان التي كان النبي (ص) يعبد الله فيها سرا، ودار الأرقم التي كان يجتمع فيها المسلمون سرا بالنبي (ص)، وهذه كلها آثار وشواهد عظيمة كانت تستحق التكريم والتعمير، بدلا من هدمها وتخريبها.
كما وكان التخريب لآثار المدينة المنورة أشد وأعظم، فهدمت قبور أئمة آل البيت عليهم السلام في البقيع، وقبور شهداء أحد، وغيرها العشرات من المواضع التاريخية والأثرية.
فقد تعرضت قبور آل البيت (ع) للهدم والتخريب مرتين، الأولى: في عهد الدولة السعودية الأولى عام 1220هـ، وبعد سقوط الدولة السعودية على يد إبراهيم باشا وجيش مصر الذي أرسله محمد علي باشا حاكم مصر، أعاد المسلمون (أعزهم الله) بناء تلك القبور بأفضل هيئة وأحسن مما كانت.
وبعد قرن من الزمان ضعفت الدولة العثمانية وتراخت قضبتها عن الجزيرة العربية، ودخل البريطانيون كلاعب قوي في دعم آل سعود، فبدأت محاولة أعادة دولتهم الآفلة الى الحياة سنة 1911م، وقد تحقق ذلك سريعا، فغرقت الجزيرة العربية في بحر من الدماء مرة أخرى، وأحتل الوهابيون مكة والمدينة وطردوا الشريف حسين شريف مكة، وقاموا بهدم معالم الحضارة الإسلامية مرة أخرى عام 1344هـ، 1925 أو 1926م.

