للخطباء والباحثين عموما

للخطباء والباحثين عموما
للموضوع الذي يلقيه الخطيب على مسامع ‏الناس، والذي يمكن أن نصفه بأنه موضوع ‏جيد عدة مقومات:‏....

مقومات الموضوع الجيد

للموضوع الذي يلقيه الخطيب على مسامع ‏الناس، والذي يمكن أن نصفه بأنه موضوع ‏جيد عدة مقومات:‏

الأولى: جدة الموضوع

أي أن لا يناول الخطيب موضوعا طرحه ‏الآخرون مرارا وتكرارا، بمعنى أن تكون ‏المحاضرة تحتوي على أفكار ومضامين ‏جديدة لم تطرح من قبل.‏

‏ فالموضوع الجديد له أثر في نفوس السامعين ‏والقراء، وذلك لأنه يشد انتباههم للخطيب ‏اثناء الإلقاء، ويحس السامع أنه استفاد ‏شيئا جديدا فيتمسك بالخطيب وبمؤسسة ‏المنبر الحسيني.‏

بخلاف ما لو كان الموضوع مكررا ومجترا ‏وجرى على ألسنة الكثيرين، فإنه يبعث الملل ‏ويفقد تأثيره في الآخرين.‏

إن الكلام يصاب بمرض يسمى في الدراسات ‏الإعلامية بداء اللفظية، يتمثل هذا الداء في ‏الترديد الأجوف للألفاظ والعبارات ‏والمفاهيم دون أن تنعكس في واقع الحياة الى ‏تفكير وسلوك.‏

ولا يفوتني أن أذكر أن دعوتنا للتجديد في ‏طرح الأفكار والموضوعات لا تعني أن ننسلخ ‏عن تراثنا وأصالتنا الفكرية الإسلامية. بل ‏نريد أن نضيف شيئا جديدا آخر لإثراء ‏الفكر الإسلامي، وبث الروح في الأفكار ‏المعطلة منه، لتفعيلها من جديد في الحياة ‏الاجتماعية. ففي القرآن وحده أفكار وأفكار ‏لا تنتهي، بل هو بحر زاخر مليء بالدرر ‏الثمينة التي لو وضفت لحولت الخطاب ‏الديني الى شيء غير هذا المتعارف.‏

وهذه الأفكار المستخرجة من الكتاب العزيز ‏ليست بعيدة عن الخطباء، بل هي موجودة في ‏كتب التفسير كالأمثل وتفسير النور والميزان ‏ومواهب الرحمان وغيرها، إضافة الى الكتب ‏المصنفة في شتى مجالات الفكر الإسلامي ‏والتي وضفت الآيات القرآنية وغاصت في ‏أعماقها من قبيل كتاب في رحاب القرآن ‏للشيخ الآصفي، فضلا عن عشرات الكتيبات ‏الصغيرة التي أصدرتها مؤسسة البلاغ ‏وغيرها من المؤسسات العاملة والمكتبات ‏العامة مليئة منها.‏

الثانية: الحاجة الاجتماعية

بمعنى أن يكون الموضوع مما يهم المجتمع، ‏كأن يعالج مشكلة أو ظاهرة اجتماعية، أو ‏تساؤل حول قضية معينة، أو يكون الموضوع ‏مفهوم إسلامي غامض ‏

وبتعبير آخر: أن يكون للموضوع مساس ‏مباشر في حياة الناس اليومية.‏

أذكر في عام 2003 بعد انهيار النظام، هجم ‏الناس على دوائر الدولة لسرقة محتوياتها، ‏وكنت يوميا أتكلم عن هذا الموضوع في ‏المحاضرة الدينية دون جدوى. وفي أحد ‏الليالي قال لي مؤذن المسجد أن هاهنا ‏خطيبا يرغب بارتقاء المنبر، فسررت بذلك ‏وقلت في نفسي: عسى أن يتطرق لهذا ‏الموضوع، فإن الصوت الواحد لا تسمعه ‏الناس! لكنه ارتقى المنبر وراح يتحدث عن ‏عدالة الصحابة.‏

وأذكر أننا حضرنا مجلسا لأحد العلماء في ‏النجف يوم السابع من صفر، وهو ذكرى ‏استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام)، ‏فارتقى الخطيب المنبر وشرع يشرح أبيات ‏دعبل الخزاعي: مدارس آيات خلت…‏

وذكر دخول دعبل على الإمام الرضا (عليه ‏السلام) واحتفاء الإمام به وغير ذلك مما ‏هو بعيد جدا عن المناسبة التي أقيم من ‏أجلها المجلس.‏

الثالثة: أن لا يخالف الموضوع اتجاهات ‏الناس، لأن الناس كما يقول أمير المؤمنين ‏‏(ع): أعداء ما جهلوا، وبالتالي سوف يقاوم ‏الجمهور ذلك الخطيب بشدة.‏

وإذا أراد أن ينتقد ظاهرة معينة أو فكرة ‏خاطئة أو اتجاه سلبي، فهناك طرق علمية ‏ينبغي على الخطيب أن يتعلمها قبل أن يتناول ‏مواضيع تخالف اتجاهات الناس، أو تخالف ‏الرأي العام في المجتمع.‏

الثالثة: العمق الطبيعي

أي أن لا يكون البحث أو المحاضرة سطحيا ‏يخلو من أي فكرة جيدة أو برهان علمي، ‏وذلك بأن يعتمد الخطيب فقط على ‏المشهورات الظاهرية والمظنونات التي ‏درستموها في المنطق، لأن مثل هذه القضايا ‏تؤدي الى تسطيح فكر السامع وتزييف وعيه، ‏وبذلك يكون ضررها أكثر من نفعها.‏

فالمطلوب من المبلغين إثارة دفائن عقول ‏الناس، يقول الشيخ محمد تقي فلسفي: ‏‏((ينبغي للخطيب الذي يتوفر على عنصر ‏الوعي والعلم أن يخصص جزءا من خطبته ‏للمواضيع التي يمكن برهنتها بالأدلة العلمية ‏والعقلية، لأن مناقشة مثل هذه المواضيع في ‏الاجتماعات العامة تؤدي الى نمو الفكر، ‏وتقوية قابلية الاستدلال لدى المستمعين، ‏وترفع من مستوياتهم الفكرية والثقافية)).‏

ومن جانب آخر يجب أن لا يكون الموضوع من ‏العمق والدقة واستخدام المصطلحات العلمية ‏والمنطقية والأصولية بحيث يعسر على ‏السامع فهمها واستيعابها، لأننا أمرنا أن ‏نكلم الناس على قدر عقولهم.‏

الرابعة: أن لا يكون كلامه عبارة عن إنشاء، ‏ويخلو من أي معلومة أو حكمة أو طرفة أو ‏حديث أو ينقل مقولة بمعنى أن يكون في ‏كلامه شواهد وليس إنشاء فقط. ‏

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *