فلسفةتشريع زكاة الفطر

فلسفةتشريع زكاة الفطر
والإسلام احترم مشاعر الفقراء الى درجة أنه لم يسقط عن الفقير زكاة الفطرة بشكل تام...

لأغلب التكاليف الشرعية أبعاد اجتماعية واقتصادية، تهدف لانعاش الفقراء ورفع مستواهم الاقتصادي والمعيشي، وردم الفوارق الطبقية في المجتمع.

فأما الخمس والزكاة فهذان التشريعان بالأساس يهدفان لتحسين الوضع المعيشي للفقراء في المجتمع الإسلامي، فالكلام فيهما لا يحتاج الى شرح أو توضيح.

لكن الكلام في العبادات الأخرى التي لم ينس الشارع المقدس أن يشرع فيها واجبات مالية تعود بالنفع على الطبقات المحرومة في المجتمع.

فالحج مثلا يتكون من عدة مناسك، تتوج هذه المناسك بالهدي، وهو ذبح أو نحر شيء من الأنعام كالغنم أو البقر أو الإبل، في منى يوم العاشر من ذي الحجة، والذي يعبر عنه بالأضحية.

يقول تعالى: ((فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ))(البقرة/196)، والغرض والحكمة من الهدي واضحة، وهي اطعام الطعام واشباع حاجات المؤمنين من الغذاء.

يقول عز وجل: ((فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُواالْبَائِسَ الْفَقِيرَ))

(الحج/27)، ويقول: ((فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)).(الحج/36). بل وفي كل خلل في مناسك الحج يوجب الإسلام التكفير عن ذلك بذبح شاة أو شيء من هذا القبيل، وواضح أنهذا الحكم يهدف لرفد الفقراء تحسين وضعهم المعيشي.

وكذلك نجد أن فريضة الصيام تتوج بواجب مالي، وهو ما يعبر عنه في الفقه بزكاة الفطرة، والهدف هو نفس الهدف في جميع الفروض والحالات التي تحدثنا عنها.

كذلك نلاحظ أن تعمد الإخلال بواجب الصوم، كالإفطار المتعمد يستلزم غرامة مالية: وهي إما عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو عقوبة عبادية مشددة وهي صيام شهرين متتابعين.

كما وتهدف هذه الواجبات المالية من جهة أخرى الى تعميق الشعور بالمسؤولية تجاه الطبقات الفقيرة في المجتمع، وأن هذه الأموال يجب أن تكون بمتناول أيدي الناس جميعا، فكل الناس بحاجة الى الطعام والشراب والمسكن والملبس، لأنها حاجات أولية لكل بشر.

إن الإسلام لا ينظر الى العبادة على أساس كونها علاقة بين العبد وربه فقط، بل على أساس كونها كمال روحي وأخلاقي للعابد.

فيريد تعالى أن نتكامل بالعبادة روحيا وأخلاقيا، وأن تعود آثار العبادة على نفوسنا وسجاياها، وأخلاقنا وسلوكنا في المجتمع.

فمثلا الإحساس بمعاناة الفقراء، والتحلي بالخلق الإنساني كالرحمة والعطف والرقة والرأفة… لا تأتي اعتباطا، بل لها مقدمات، وهذه المقدمات الشخص هو من يتكفل بإيجادها وتنميتها فينفسه وروحه.

ففي خصوص الصيام هناك علاقة بين الجوع وتناول الطعام البسيط، وبين المشاعر الإنسانية وتقويتها.

فكلما كان طعام الإنسان أكثر اتقانا ودسما، كلما ضعفت وتبدلت مشاعره الإنسانية، والعكس بالعكس كلما كان طعام الإنسان بسيطا ومتواضعا كلما قوي الشعور الإنساني في نفس الإنسان.

وهذا هو السر في اصرار النبي (ص) والإمام أمير المؤمنين (ع) وسائر الصالحين على الاكتفاء بالطعام البسيط غير المتقن كثيرا.

فالعملية عكسية فالطعام الدسم والمنمق بألوان وأصناف مختلفة يضعف المشاعر الإنسانية، يقول أمير المؤمنين(ع): ((ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو باليمامةمن لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أن أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى! أو أن أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة*وحولك أكباد تحن إلى القد  أأقنع من نفسي بأن يقال [لي]: أمير المؤمنين! ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها)).

فالإنسان الذي يوغل بتناول أصناف الطعام الدسمة والمتنوعة، هو بنفسه يميت المشاعر الإنسانية.

فيأتي تشريع وجوب زكاة الفطرة كتتويج لعملية نضج المشاعر الإنسانية، فمثلما للصلاة آثار نعرف من خلالها أن الصلاة مقبولة، وهي أن تنهى عن الفحشاء والمنكر.

كذلك الصيام المقبول له آثار، وأثره الواضح هو نمو المشاعر الإنسانية في نفس الصائم.

أما من يبقى بعد الصوم بنفس المستوى من الغلظة والقسوة واللامبالاة بآلام الناس واحتياجاتهم، فهذا لم يستفد من صومه الشيء الكثير.

البعض يشكلون يقولون:

إذا كان الهدف من الصيام هو الشعور بمعاناة الفقير، فلماذا يصوم الفقير، نقول لهم: ليس هذا المقصود وإنما المقصود هو تنمية المشاعر الإنسانية وبذلك لا يختلف الفقير

عن غيره، فهو أيضا بحاجة الى تنمية مشاعره الإنسانية.

كذلك تهدف الواجبات المالية الى تهذيب الأخلاق، وتعليم المؤمن على الإيثار، وعلى مساواة الآخرين بالنفس في استهلاك النوعي للمال، ((وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ)) (البقرة/227)، وأن لا يكون الانفاق مصحوبا بمن أو أذى، يقول تعالى: ((الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ

فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى)).

كذلك يجب أن تُحترم كرامة الفقير بعدم اشعاره بان ما أعطي له كان صدقة، لذلك يستحب أن تدفع له زكاة الفطرة بعنوان آخر كالهدية مثلا.

وكلما كان العطاء بعيدا عن أنظار الناس كان ذلك أفضل، إلا في حالات نادرة كما لو كان الهدف تشجيع الآخرين على الانفاق أو تعويدهم على الكرم.

لأن التبحج بالصدقة رياء وسمعة هو الآخر يفسد العمل ويضيع أجره، يشعر الفقير بالحرج. والإسلام احترم مشاعر الفقراء الى درجة أنه لم يسقط عن الفقير زكاة الفطرة بشكل تام، بل ندب أن يخرج الفقير ولو زكاة الفطر عن شخص واحد في الأسرة، لأن الهدف من هذه التشريعات المالية ليس سد حاجة الفقير المادية ودمجه بالمجتمع وازالت الفوارق الطبقية فقط، بل تنمية الإحساس والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وتنمية أخلاقية، إضافة الى

إشعاره بالرضا عن الذات، فواضح أن الحالة النفسية للإنسان المعطي ليست كالحالةالنفسية للآخذ، فحتى لا يحرم الفقير من هذا الاحساس لم يسقط عنه الفطرة والصدقة

المندوبة بشكل نهائي، بل جعلها مستحبة له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *