الإطار التنسيقي على شفا؛ جرفٍ هارٍ !

الإطار التنسيقي على شفا؛ جرفٍ هارٍ !
واجه الإطار التنسيقي خصمين رئيسيين يسعيان إلى تقليص نفوذه وإضعاف موقعه السياسي. الأول هو التيار الاحتجاجي، الذي لا يزال...

يمر الإطار التنسيقي بمرحلة سياسية معقدة، إذ يواجه تحديات غير مسبوقة على المستويين الخارجي والداخلي تهدد مستقبله كفاعل رئيسي في الخارطة السياسية العراقية. على المستوى الخارجي، لم يعد يتمتع بالغطاء الاستراتيجي ذاته الذي وفرته له إيران والولايات المتحدة في مراحل سابقة، حيث تراجع النفوذ الإيراني في العراق بشكل ملحوظ، بينما تمارس واشنطن ضغوطًا متزايدة عليه دون الحاجة إلى الاصطفاف مع طرف محدد داخل المشهد السياسي. أما داخليًا، فإن التحديات تتزايد مع تصاعد التيار الاحتجاجي الذي يسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي وفق رؤية مناهضة للأحزاب التقليدية، في حين أن التيار الصدري يعمل على تعزيز موقعه ليكون الممثل الأبرز للمكون الشيعي، مما يجعل الإطار أمام اختبار صعب في ظل هذه التحولات.

لم يعد النفوذ الإيراني داخل العراق بنفس القوة التي كان عليها في السنوات السابقة، فقد أصبحت طهران أقل قدرة على فرض إرادتها السياسية كما في الماضي. ويرجع هذا التراجع إلى جملة من العوامل، من بينها تغير الأولويات الاستراتيجية الإيرانية، إذ باتت طهران منشغلة أكثر بملفاتها الداخلية والأزمات الإقليمية التي تستنزف مواردها. كما أن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها والضغوط السياسية جعلتها أكثر حذرًا في إدارة نفوذها الخارجي، الأمر الذي انعكس على علاقتها مع حلفائها داخل العراق، وعلى رأسهم قوى الإطار التنسيقي. يضاف إلى ذلك أن إيران باتت تدرك أن سيطرتها المطلقة على المشهد العراقي لم تعد ممكنة، خصوصًا مع وجود قوى شيعية داخلية بدأت تأخذ مسارًا مختلفًا عن الرؤية الإيرانية التقليدية.

في حال توصلت إيران إلى تفاهم مع الولايات المتحدة، فإن هذا الاتفاق سيكون على حساب بعض الفصائل المرتبطة بالإطار التنسيقي، إذ قد تجد طهران نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات تؤثر على نفوذ حلفائها داخل العراق في مقابل تحقيق مكاسب استراتيجية على المستوى الإقليمي. أما في حال استمر التصادم بين طهران وواشنطن، فإن العراق سيظل ساحة لهذا النزاع، مما يعني أن الإطار التنسيقي سيكون في قلب المواجهة، وسيتحمل تبعات أي تصعيد قد يحدث. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الإطار لن يكون قادرًا على الاحتفاظ بموقعه السياسي بنفس القوة التي كان يتمتع بها سابقًا، إذ لم يعد يمتلك الغطاء الخارجي الذي كان يعزز استقراره.

على المستوى الداخلي، لم يعد الإطار قادرًا على الاعتماد على تحالفاته التقليدية، إذ فقد الكثير من الحلفاء الذين كانوا يشكلون ركيزة أساسية له في إدارة المشهد السياسي. الكرد، الذين كانوا دائمًا شريكًا استراتيجيًا لقوى الإطار، أصبحوا أكثر ترددًا في التحالف معه، إذ باتت القوى الكردية تدرك أن الاصطفاف مع الإطار لا يحقق لها مكاسب سياسية كبيرة، بل على العكس، أصبح يشكل عبئًا عليها في ظل التغيرات التي يشهدها العراق.

من جهة أخرى، فإن القوى السنية، التي كانت تفتقر في الماضي إلى ظهير خارجي داعم، أصبحت اليوم تمتلك بدائل استراتيجية أكثر قوة من السابق. فقد أدى تراجع النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة، لا سيما في لبنان وسوريا، إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية، مما وفر فرصة للقوى السنية لتعزيز موقعها السياسي. وبالتوازي مع ذلك، فإن صعود الدور التركي في المنطقة وتنامي الدعم الخليجي لبعض القوى السنية في العراق يضعها في موقع تفاوضي أقوى مما كانت عليه في السابق. كما أن الولايات المتحدة، رغم عدم انخراطها بشكل مباشر في دعم طرف معين، باتت أكثر مرونة في التعامل مع قوى سنية صاعدة يمكن أن تشكل توازنًا جديدًا في المشهد العراقي. هذه المتغيرات تعني أن القوى السنية لم تعد بحاجة إلى التحالف مع الإطار التنسيقي كما في السابق، بل أصبحت تمتلك خيارات أوسع قد تعيد تشكيل المعادلة السياسية في البلاد.

إما داخل البيئة الشيعية، يواجه الإطار التنسيقي خصمين رئيسيين يسعيان إلى تقليص نفوذه وإضعاف موقعه السياسي. الأول هو التيار الاحتجاجي، الذي لا يزال يتمدد ويؤثر بشكل متزايد على المزاج الشعبي، خصوصًا في أوساط الشباب الذين باتوا يرفضون النمط التقليدي للسياسة العراقية. يتمتع هذا التيار بشرعية شعبية لا يمتلكها الإطار، إذ يُنظر إليه باعتباره ممثلًا حقيقيًا لمطالب الإصلاح والتغيير، وهو ما يجعله قوة لا يمكن تجاهلها في أي حسابات سياسية مستقبلية. أما الخصم الثاني فهو التيار الصدري، الذي لم يتراجع رغم انسحابه من البرلمان، بل أصبح أكثر تأثيرًا من خلال قدرته على فرض معادلات جديدة في المشهد السياسي. يسعى التيار الصدري إلى تعزيز موقعه ليكون الممثل الأبرز للمكون الشيعي، وهو ما يجعله في مواجهة مباشرة مع الإطار التنسيقي الذي بات يواجه صعوبة متزايدة في الحفاظفي ظل هذه التحديات، يجد الإطار التنسيقي نفسه أمام خيارات صعبة، فإما أن يسعى إلى إعادة ترتيب تحالفاته الداخلية والخارجية بشكل يسمح له بالبقاء كقوة فاعلة، أو أن يواجه تراجعًا تدريجيًا في دوره السياسي لصالح قوى جديدة بدأت تفرض نفسها بقوة داخل المشهد العراقي. المرحلة القادمة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإطار على التكيف مع المتغيرات، لكنه لم يعد يمتلك نفس الأدوات التي كان يعتمد عليها في السابق، ما يجعله في موقف أكثر هشاشة مقارنة بالسنوات الماضية. على قاعدته الشعبية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *