في التاسع من ذي الحجة لا تستذكر الامة حادثة تاريخية عابرة، بل تقف امام مدرسة كاملة من الصبر والعقيدة والجهاد والوفاء… تقف امام رجل اختصر في موقفه معنى الرسالة ومعنى الثبات حين تتكسر الرجال تحت ضغط الخوف والخذلان.
انه السيد الجليل والامام العظيم مسلم بن عقيل سفير الحسين عليه السلام … الى الكوفة وابن عمه وثقته وامين سره… الرجل الذي دخل الكوفة حاملا مشروع الاصلاح الحسيني لا مشروع سلطة ولا جاه ولا دنيا، فالتفت حوله الجموع ما دام الصوت مرتفعا والرايات كثيرة، فلما اقبل سيف الطغيان وتقدمت جيوش الترهيب والمال والوعيد، تفرقت الوجوه وانطفأت الاصوات وبقي مسلم وحيدا في ازقة الكوفة يُطارد بين الجدران بعدما كان تهتف باسمه الآلاف من اشباه الرجال.
اي عظمة هذه التي يحملها قلب انسان يرى الناس تنفض من حوله واحدا بعد آخر، لكنه لا يبيع موقفه ولا يساوم على عقيدته ولا يغير وجهته؟
لقد كان مسلم بن عقيل صورة مبكرة لغربة الحق في كل زمان… غربة المؤمن حين يصبح ثابتا في زمن الانهيار، وغربة المجاهد حين تتحول الجماهير الى جمهور خائف مرعوب تصنعه الدعاية ويقوده التضليل.
لم يسقط مسلم يومها من اعلى قصر الامارة عسكريا فقط، بل كانت محاولة لاسقاط الوعي والارادة والهوية قبل ان تكون معركة سيوف، ولذلك فان الذي جرى في الكوفة لم يكن بعيدا عن حروب هذا العصر، فبالامس كان السيف والذهب والتهديد، واليوم صارت الحرب الناعمة .. والغزو الثقافي .. يصنع الانهيار ذاته لكن بوسائل اكثر خبثا وتعقيدا.
اليوم لم تعد الجيوش وحدها تحتل الاوطان، بل تحتلها الشاشات والمفاهيم المسمومة والخطابات الموجهة والمنصات التي تعيد تشكيل العقول وتفكيك القيم وضرب الثقة بالعقيدة والقيادة والهوية والجهاد.
لقد ارادوا يومها من مسلم ان يشعر بالوحدة حتى ينهار، واليوم يريدون لكل صاحب قضية ان يشعر بالوحدة حتى يتراجع… يريدون للمؤمن ان يخجل من دينه، وللمجاهد ان يخجل من تاريخه، وللثائر ان يعتذر عن ثورته، ولصاحب الموقف ان يظن انه غريب في هذا العالم … وها نحن نرى اليوم الجمهورية الاسلامية الايرانية تحارب وتقاتل اعداء الاسلام جيوش الظلام الابستينية وقد قالها الشهيد لارجاني رحمه الله ( اي اسلام هذا الذين تنتمون اليه والجمهورية الاسلامية تقاتل وحدها) وفعلا نحن نقاتل لوحدنا
لكن مدرسة مسلم تعلمنا ان الغربة ليست هزيمة… بل قد تكون احيانا وسام الحق حين يعم الباطل.
واذا كان التاريخ قد حفظ موقف هانئ بن عروة وهو يفتح قلبه وبيته لنصرة سفير الحسين عليهم السلام.. رغم علمه ان الثمن هو الدم، فان السؤال الذي يواجهنا اليوم: كم من هانئ بيننا؟ كم من انسان يستطيع ان يحتضن اصحاب المواقف في زمن التخويف والتشهير؟ كم من رجل يثبت حين تتساقط المصالح وتتكشف الوجوه؟
ثم تقف تلك المرأة العظيمة طوعة كواحدة من اعظم النساء في الذاكرة الاسلامية… امرأة لم تكن تملك جيشا ولا سلطة ولا نفوذا، لكنها امتلكت شجاعة العقيدة وصدق الانتماء، فدخلت التاريخ من اوسع ابوابه حين فتحت بابها لمسلم وفتحت معه باب الخلود لموقفها.
وما اعظم طوعة… فكم من رجال سقطوا في امتحان الموقف، ونجحت امرأة وحيدة في امتحان الوفاء.
ان طوعة ليست شخصية من الماضي فقط، بل هي رمز لكل انسان يؤوي الحق حين يطارده الناس، ولكل امرأة تصنع الوعي والثبات داخل اسرتها ومجتمعها، ولكل صاحب موقف يرفض ان يكون جزءا من قطيع الصمت.
لقد بدأت فاجعة الطف من هناك… من لحظة تخلي الناس عن سفير الحسين عليهم السلام … من لحظة انتصار الخوف على البصيرة. من لحظة انتصار الحرب النفسية والدنيوية على الايمان.
ولذلك فان كربلاء لم تكن معركة يوم واحد، بل كانت نتيجة تراكم طويل من الانهيار الثقافي والاخلاقي والاعلامي والتربوي حتى وصلت الامة الى مرحلة تقتل فيها ابن بنت نبيها ثم تدعي انها تدافع عن الدين.
وهنا تكمن خطورة الحرب الناعمة والغزو الثقافي اليوم… فهي لا تريد منك ان تحمل سيفا ضد الحق، بل يكفيها ان تنسحب من الميدان، ان تصمت، ان تُشكك ، ان تفقد الثقة، ان تتعب، ان تتخلى عن وعيك بالتدريج حتى تصبح الهزيمة داخلية قبل ان تكون خارجية.
لهذا يبقى مسلم بن عقيل عليه السلام … عنوانا خالدا للثبات العقائدي .. والرسالي .. والثوري… رجل وقف وحيدا لكنه لم يسقط معنويا، وحوصر جسديا لكنه بقي منتصرا في ميزان السماء والتاريخ.
سلام على مسلم يوم حمل رسالة الحسين بصدق. سلام عليه يوم خانه المتخاذلون وثبت كالجبل … سلام عليه يوم قاتل وحيدا بين ازقة الكوفة … سلام عليه يوم ارتقى شهيدا ممهداً لطريق الطف العظيم.
وسيظل التاسع من ذي الحجة موعدا تتجدد فيه الاسئلة الكبرى: هل نحن مع الحق اذا بقي وحيدا؟ هل نصبح هوانئ في زمن الغربة؟ هل نكون طوعات حين يطرق الحق ابوابنا؟ ام نكرر خذلان الكوفة بثياب جديدة وعناوين مختلفة؟
انها ليست ذكرى للبكاء فقط… بل دعوة دائمة لبناء الوعي والصبر والثبات وحراسة الهوية في زمن تتعدد فيه اساليب الغزو وتبقى فيه كربلاء حاضرة في كل معركة بين الحق والباطل.


