ضياع البوصلة

ضياع البوصلة
تؤكد خطورة الجهل المركب في زمن الحروب الإدراكية، إذ يفقد الإنسان معيار التمييز بين الحق والتضليل، فلا يصونه من الاختراق الثقافي والنفسي إلا وعي رسالي راسخ يحفظ الهوية والبصيرة والثبات...

ليست اخطر الهزائم تلك التي تقع في ساحات الحرب، بل الهزائم التي تقع داخل عقل الانسان وروحه ووعيه… حين يفقد القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الوعي والتضليل، وبين الحرية الحقيقية والعبودية المقنعة … هناك يبدأ الانهيار الحقيقي….

ان الجهل المركب ليس مجرد قلة معرفة، بل هو ان يجهل الانسان الحقيقة ثم يظن انه يمتلكها كاملة، فيتحول الجهل عنده الى يقين مغلق لا يسمح بالمراجعة ولا يقبل النصح ولا يطيق النقد، فيصبح اسير صورة وهمية صنعها لنفسه او صنعتها له ادوات التضليل الحديثة … ولهذا حذر القرآن الكريم من حالة العمى المعنوي حين قال الله تعالى (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْاَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .. فالانسان قد يرى بعينيه لكنه يفقد بصيرته، وقد يسمع الحقيقة لكنه يرفضها لان داخله اصبح اسير الهوى والخوف والتضليل.

وهنا تكمن الكارثة… فالجاهل البسيط يمكن تعليمه، اما الجاهل المركب فانه يدافع عن خطئه باعتباره حقيقة مقدسة.

وقد روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام قوله (لا يُرَىَ الجاهِلُ إِلاَّ مُفـْرِطاً أو مُفـَرِّطَا)

فالجهل لا يقف عند حدود نقص المعرفة، بل يتحول غالبا الى اختلال في التوازن الفكري والنفسي والسلوكي.

لقد انتقلت معارك هذا العصر من حدود الجغرافيا الى حدود الوعي، واصبحت الحرب الكبرى اليوم حربا ادراكية ونفسية وثقافية تستهدف عقل الانسان المسلم وهويته وعلاقته بعقيدته وقيمه وتاريخه … لم يعد العدو بحاجة دائما الى احتلال الارض بالدبابات، بل يكفيه ان يحتل العقل بالمفاهيم المشوهة، وان يزرع الشك في النفوس، وان يحول الانسان الى كائن مرتبك فاقد للبوصلة لا يعرف من هو، ولا مع من يقف، ولا لماذا يعيش.

وهذا ما نراه اليوم بوضوح… افراد يعيشون الانهيار النفسي رغم وفرة الوسائل، ويشعرون بالضياع رغم كثرة المعلومات، لان المعرفة الحقيقية ليست تراكم بيانات، بل امتلاك معيار يميز الحق من الباطل.

وحين يفقد الانسان هذا المعيار يصبح قابلا للاختراق الخارجي، فيتلقى افكاره ومواقفه وحتى مشاعره من الاخرين دون ان يشعر.

فالاختراق لا يبدأ دائما بالتجنيد السياسي او الامني، بل يبدأ من اختراق الذوق والقيم واللغة والرموز والثقافة، حتى يصل الانسان الى مرحلة يدافع فيها عن المشروع الذي يهدم هويته وهو يظن انه يمارس الحرية والتطور.

وقد وصف القرآن هذه الحالة بدقة مذهلة حين قال تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْاَخْسَرِينَ اَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ اَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)

فهذه هي ذروة الجهل المركب… ان يضيع الانسان وهو يظن نفسه مهتديا، وان يخسر نفسه وهو يعتقد انه ينتصر.

ومن هنا نفهم خطورة الغزو الثقافي الحديث… انه لا يأتيك بصورة العدو التقليدي، بل يأتيك عبر الترفيه المنفلت، والاعلام الموجه، والمحتوى السطحي، والتشويه المنظم للثوابت، ومحاولات تسخيف المقدسات وضرب الرموز وتحويل الالتزام الى تهمة والوعي الى تطرف…. لقد ادرك اعداء الامة ان كسر البندقية يبدأ بكسر العقيدة، وان هزيمة المجتمعات تبدأ من تفكيكها نفسيا وفكريا واخلاقيا.

ولهذا فان محور الخير المقاوم الذي انطلق من مدرسة الاسلام المحمدي الاصيل ومدرسة اهل البيت عليهم السلام لم يكن مشروعا سياسيا مجردا، بل مشروعا لحماية الانسان من الانهيار الداخلي قبل المواجهة الخارجية … فمدرسة اهل البيت لم تبن انسانا تابعا للضجيج، بل انسانا بصيرا يمتلك وعيا وعقيدة وموقفا.

وقد قال امامنا جعفر الصادق عليه السلام (العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير الا بعدا)

وهذا من اخطر ما نعيشه اليوم… سرعة هائلة في التفاعل والانفعال والضجيج، لكن بلا بصيرة ولا معيار ولا اتجاه واضح.

انسان يعرف كيف يتحدث لكنه لا يعرف كيف يفكر … يعرف كيف يهاجم لكنه لا يعرف لماذا يقاتل. يمتلك وسائل التواصل لكنه فاقد للتواصل مع ذاته وهويته وقيمه … ان فقدان البوصلة اليوم يجعل بعض الناس يساوي بين الضحية والجلاد، وبين المقاوم والمحتل، وبين المشروع الالهي والمشروع الاستكباري، وهذه اخطر نتائج الجهل المركب حين يصبح الانسان عاجزا عن تشخيص الاتجاه الصحيح …

فالبوصلة الحقيقية ليست ما تصنعه المنصات ولا ما تفرضه موجات الرأي العام، بل ما يصنعه الوعي المرتبط بالله والقيم والحق والعدل.

ومن هنا كانت الحاجة الملحة الى بناء وعي ثقافي رسالي يعيد للانسان توازنه النفسي والفكري، ويحصنه من الاختراق، ويمنحه القدرة على النقد والتفكير والتمييز.

لان الانسان الذي لا يملك وعيا مستقلا يتحول بسهولة الى اداة في مشروع غيره، حتى لو كان يظن نفسه حرا.

قال الامام  الحسين عليه السلام… ( الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون)

وهذه الكلمات تختصر مأساة هذا العصر… فكثيرون يرفعون الشعارات ما دامت لا تكلفهم شيئا، لكنهم يسقطون عند اول اختبار نفسي او فكري او مصلحي …. نحن لا نعيش ازمة معلومات… بل نعيش ازمة بصيرة … ولا نواجه نقصا في الاصوات… بل نواجه نقصا في الوعي الصادق.

ولهذا فان اعظم معركة اليوم هي معركة تثبيت الهوية وحراسة العقل وحماية الروح من التشويه والانهيار.

فكل انسان يفقد بوصلته يتحول الى مشروع ضياع، وكل امة تفقد وعيها تصبح قابلة للاستلاب مهما امتلكت من ثروات وقوة.

وحده الوعي الرسالي المرتبط بالله والحق قادر على ان يعيد للانسان اتزانه، ويمنحه القدرة على الثبات وسط هذا الطوفان الهائل من التضليل والتشويه والحروب الناعمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *