برق في ذهني فجأة في محاولة لمشاكسة العقل النقدي العربي وأهم معيقاته الداخلية ، لأن الفكر العربي يعيش حالة خاصة من الردة الثقافية بعد انتشار فصائل الإسلام السياسي المدعوم خارجيا في معظم مفاصل حياتنا السلوكية والثقافية ، المشاكسة تعني دفع العقل للعمل المستقبلي والرؤية الأمامية لتطور الحضارة الحداثية ، لا أقصد بالحداثة هنا القشور وإنما صلب السلوك الإنساني الذي يدعو إليه القرآن الكريم ، الحداثة تعني السلوك والنظام واحترام القانون ، المواطن العربي يعيش أزمة في شخصيته ، هل يعالج قضاياه بالقانون أم بالعرف والعادة أم برجل الدين أم بالعشيرة والعائلة !؟ في معظم دول العالم هناك طريق واحد فقط هو القانون الذي يحكم بين الجميع دون فوارق ، حتى أن بعض الدول لا تكتب المسمى الوظيفي في بطاقة الهوية ، نوع فصيلة الدم هو البديل ، دليل على تساوي الكل أمام القانون ، يتساءل المواطن هل سلوكي قانوني أم غير قانوني ؟ ليس هناك جملة ثانية للضحك على الذقون ، نحن هنا في الوطن العربي يخضعنا الحاكم – منذ القدم – بعدة طرق أولهما : ثقافة السماع ، اسمعوا وأطيعوا ، يدفعك هذا النوع الثقافي إلى الإعجاب بالمتكلم الذي قد يكون مندوبا عن الحاكم أو عن حزبه ، فتخضع وتنساق أمام رغباته دون تفكير، وتكره الكتابة والقراءة لأن فيه كلاما مغايرا لكلام الشيخ أو مسؤول الحزب ، رغم أن القراءة فرض في الإسلام مثل الصلاة والصوم ، كلمة السماع دلالاتها في الأغلب سلبية في القران الكريم ، بينما كلمة اقرأ إيجابية في المواضع الثلاثة التي جاءت بها ، كلمة اقرأ مرتبطة بالرب ، أما كلمة سماعون مرتبطة بغير ذلك . يقودنا هذا إلى ثانيا : العداء المستحكم بين الإنسان العربي ويبن عادة فتح الكتاب الثقافي ، الحاكم والشيخ لا يشجعون ذلك ، لأن القراءة تؤدي إلى الوعي الحضاري ، أي إلى الفهم والتمرد ضدهما ، وإضعاف قدسيتهما في المجتمع . نحن بحاجة إلى فكر جديد ورؤية جديدة ، الماضي أدى دوره بجدارة لأنه استقل بتفكيره وفق معطيات مرحلته ،هو عظيم ، ينبغي أن نحذو حذوه باستقلالية التفكير بمعاصرته مرحلته وطرحه قضايا معيشية بأدوات حاضرة ورؤية فاعلة ، لا أرتاح لكاتب يكتب قال فلان ويتوقف ، نعم قال فلان قبل ألف عام ، أحب أن يضيف الكاتب رؤيته وقوله هو بما يتناسب وحالته وواقعه ، قال فلان هو استشهاد لدعم قولي أنا المؤلف ، وهي الفكرة الرئيسية هنا ، وليس قال فلان هي المركزية والنهائية في الفكرة المطروحة . ثالثا : نلاحظ في السنوات الأخيرة أن البعض يعيد طرح قضايا قديمة انتهينا منها لفتاوى الأزهر الشريف وكبار الفقهاء ، يأتي متفقه جديد ويعيد طرح القضايا من جديد ، جعل هذا الفكر العربي فكرا دائريا ، ليس فكرا تصاعديا كما هو في العالم الحر ، نحن لا زلنا نكرر قضايا طرحها رفاعة الطهطاوي قبل مائتي عام ووضع حلولا عملية لها مثل قضية كيفية التعامل مع الحضارة الغربية ، والأزهر أفتى في قضية البنوك عام 1962 م مجيزا التعامل معها ، تأتي مجموعة لم تفتح كتابا في حياتها وتتصدر المشهد وتعيد طرح القضايا نفسها ، نحن نعيش حالة مفرغة من الدوران حول أنفسنا ، الفكر البشري بطبيعته تصاعديا أماميا وليس دائريا ورائيا كما نحن ، حل هذه الإشكالية في نظري يكمن في : منح تراخيص إلى من يصلح للفتوى من المتخصصين بعد امتحانات قوية وإجادة لغة ثانية ،ولا يسمح لغيره من غير الدارسين وغير المتخصصين أسوة بباقي المهن الأخرى مثل الطب والقانون ….الخ . من جهة أخرى وضع بعض الدخلاء مقولة : ” لا اجتهاد مع نص ” ، حتى يتفردوا بإصدار الفتوى والتأويل دون غيرهم ، وهل ينطبق هذا القول على العلماء الأوائل الذين اختلفوا في تأويل النص القرآني !؟ ، ولولا اختلافهم في تأويل النص ربما لم نجد هذا الكم الكبير من كتب التفسير ، العلماء الأوائل قالوا: اختلاف العلماء رحمة ،بينما اليوم جعلوه ممنوعا حتى لا يجاريهم أحد في رزقة عيشهم وموقعهم الاجتماعي ، بهذا نقول : أن النص القوي المعمق هو سر اختلاف العلماء وهديهم ورحمة للعالمين . عودنا قولهم هذا على التبعية والتلقي دون تفكير فقد ترسخت في الوعي الجمعي مما أعاق مجمل العقل العربي لأنه من يخرج عن المألوف يتحول إلى معاد للمجتمع والدين وهذا كله مخالف للنص القرآني الذي دعانا الى التفكير حتى عده البعض فريضة مثل الصلاة ، كما قال العقاد ” التفكير فريضة إسلامية “،هؤلاء في الأغلب يسيطرون على المناخ الثقافي والإعلامي ، يحركونه في اتجاه مغاير كأنهم أولياء الله وأوصياء على سلوكيات الناس وضبط أنفاسهم ، قمع ديني واجتماعي غاية في الشراسة والعنف واحتقار من هو خارج الجماعة، لهذا يصاب أطفالنا بزعزعة الشخصية . لكن إذا تم فرض تراخيص للفتوى الدينية فإن أرضية الانطلاق الفكري سوف تتحرر ويتحول الفرد خاصة الشباب إلى مفكر مدبر لأمره يسعى إلى الاستقلالية الفكرية والسلوكية ، هنا قد تتحرر البنية الفكرية للمجتمع وتمارس فكرا أكثر تحررا من القيود الحابسة لكل إبداع جديد . رابعا : باحث حصل على درجة الدكتوراه في علوم الزراعة أو علم الاجتماع أو الجيولوجيا على حساب الدولة واستلم وظيفة وراتب ، ثم فجأة تحول إلى داعية إسلامي ، هل يجوز ؟ ونحن بحاجة ماسة إلى مساعدة الفلاح والبسطاء في القرى واكتشاف الجديد ؟؟!! المطلوب قانونا أن يحاسب ماليا ووظيفيا بأثر رجعي وتكاليف الدراسة ، احترام التخصص سر نجاح المجتمعات . خامسا : إعادة النظر في كثير من الثوابت الفكرية لدى المجتمع ، يدفعنا هذا إلى إعادة تفسير القرآن الكريم برؤية واقعية جديدة ، مثال ذلك : الشائع أن المرأة ناقصة عقل ودين ، مؤكد أنه نتاج تفسير قديم لآية الشهادة ، هنا يمكننا القول : أن السبب ليس في عقل المرأة أو مشاعرها أو عواطفها ، كما يشيع البعض ، إنما تكمن في أصل قبيلة المرأة وانتمائها القبلي أو العشائري ، ربما تكون من عشيرة أخرى وتشعر بقلق نفسي تجاه عشيرة زوجها أو عائلته لأمر ما ، أو تكون القضية مع قبيلتها ، فتميل بالشهادة إلى قبيلتها ، كان الأسلوب القرآني راقيا جدا في التعامل مع المرأة فأرجع السبب غلى النسيان . وقد جعل القرآن الكريم المساواة واضحة في قوله تعالى ” للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ” الأحزاب 35 . وهكذا عشرات الثوابت بحاجة إلى إعادة تأويل ، كما أنني لا استطيع تطبيق كل أفكار الأطباء المعمول بها قبل ألف ، ينطبق هذا على التأويل والأفكار . طبيعتي لا أحب الأفكار الجاهزة ، أقبضها ثم أعيد تدويرها لتأخذ منحى جديدا تناسب عصري وحالتي .