إميل حبيبي والشكل الروائي الجديد

إميل حبيبي والشكل الروائي الجديد
يُعدّ إميل حبيبي واحداً من الطلائع الاجتماعية والسياسية لدى فلسطيني الداخل 48، لا يتخوف من التجارب ومن الابتكار...

يُعدّ إميل حبيبي واحداً من الطلائع الاجتماعية والسياسية لدى فلسطيني الداخل 48، لا يتخوف من التجارب ومن الابتكار، فهو كما يقول يفضل التجربة بشخصه على التجربة بشعبه.تقوم رؤية كاتبنا للحكاية على إيمانه الكبير بأن تجربة الأجيال السابقة لا يمكن أن تذهب هباءً، فتراثنا الثقافي يعده إميل من أغنى التجارب، وخاصة اللغة والقصة، ولذلك يدعو إلى الحفاظ عليها ونقلها بتجاربها الجديدة إلى الأجيال القادمة، رغم المعاناة ومحاولات السحق.نلاحظ أن إميل حبيبي عندما يفكر في الكتابة حول موضوع الإنسان العربي والفلسطيني، فإن ثوابت الماضي تتجاذبه وكذلك متغيرات الحاضر، ورؤى المستقبل وحتمياته، ولكل من هذه العوالم، وقائعه ومكوناته، وجزء من الأحلام، فيه يتمركز الكاتب، ويحلل، ويحاول سبر الأغوار، فيصنع فناً، فيه روعة وجمال، وفيه فعل وشعور وفكر.يظهر لنا وعي الكاتب من خلال دقته في اختيار الحالات التي يطرحها، فإذا هي نماذج تنبض بالحركة مع واقع الحياة، مما يسمح للكاتب أن يقدم كل مفاهيمه وآرائه.يحاول إميل حبيبي أن يُحمّل رواياته ممارسة سياسية ثورية، ويصعب عنده الفصل بين السياسة والأدب، بل يستحيل، والأدب عند إميل حبيبي تعبير عن تجربة نضالية طويلة. مما أدى إلى تداخل الممارسة الكتابية والممارسة السياسية وتداخلهما معاً في حياة الكاتب، بحيث لا يستطيع الناقد لأعمال إميل حبيبي أن يضع حداً فاصلاً بين السياسة والأدب، مما حوّل أدبه إلى فنٍ صادق يعبر عن الوجدان النضالي، عبر أعمال فنية صادقة. ولا تقع أعماله ضمن أدب الشعارات السطحية، فهي تتكئ على السياسة، وتحافظ على خصوصيتها الفنية.يبدو إميل حبيبي محرضاً في أعماله الروائية، لكنه يبدو في روايته الأخيرة “سرايا بنت الغول” أقل تحريضاً على المقاومة، فقد تراجعت لديه الدعوة إلى المقاومة عما كانت عليه في أعماله الروائية السابقة، لأن اليأس خيّم على أجواء هذه الرواية.دعا الكاتب -بالإضافة إلى دعوته للمقاومة- في أعماله الروائية إلى المعايشة مع القوى اليهودية الراغبة في حياة آمنة مع العرب، وقد ترسخت هذه الدعوة في مجمل أعمال الكاتب، بعد يأسه من إمكانية تحريره وشعبه من براثن السلطة الصهيونية. فأصبحت دعوة التحريض عنده سبيلاً للوصول إلى التعايش والمساواة.إن الاعتماد على السيرة الذاتية للمؤلف، من السمات الظاهرة في أعماله الروائية، وإن اختلفت نسبة توظيف سيرته وتجربته الخاصة من رواية لأخرى، فأقلها كان في السداسية، وأكثرها كان في “سرايا بنت الغول”؛ ولا يعني هذا أن أعماله يمكن تصنيفها ضمن السِيَر الذاتية. إن توظيف أجزاء متفرقة من حياته الخاصة لا يعني أن الرواية تحولت إلى سيرة ذاتية بحته، فهي سيرة شعب عاش في ظروف لم يعشها شعب آخر في التاريخ، وكان إميل حبيبي رائداً سياسياً واجتماعياً لهذا الشعب الباقي في أرضه ووطنه، فتجربته الذاتية غنية بالأحداث التي تؤهلها لأن يمثل حياة شعب وسيرته.فقد استطاع الكاتب إيهامنا بهذه التجربة الذاتية بواقعية الأحداث وصدقها. عبر تضخيم الحدث، لأن إميل حبيبي يعمد في أعماله الروائية إلى تضخيم الظلم حتى يراه الآخرون فيكرهونه.

المأخذ الوحيد في هذا المجال، هو تكرار بعض أحداث حياته الخاصة أكثر من مرة، في أكثر من عمل، فمثلاً قصة بوابة مندلباوم تكررت، وقصة أمه مع فرن الطابون كذلك، ومَرَد ذلك هو إلى علاقة الكاتب بأمه التي لم يعد يراها.إن توظيف السيرة الذاتية للكاتب جعله يستخدم الأماكن التي يرتادها حقيقة، فهو لا يكتب عن شيء لا يعرفه، فتكاد تكون رواياته متوحدة في الأماكن، مما يجعلنا نجد تكرار أسماء هذه الأماكن في رواياته، خاصة في المتشائل وإخطية، وسرايا بنت الغول. فقد تركزت أحداث هذه الروايات الثلاث في مدينة حيفا، لأنها المدينة التي أحبها الكاتب، وقضى فيها سني عمره، وزهرة شبابه، والغريب في الأمر هنا، أن كاتبنا لم يذكر مدينة الناصرة التي أقام فيها حتى وفاته. وأبرر ذلك؛ بأن هذه المدينة لم تشهد أحداثاً مهمة في حياة الكاتب، فقد أقام فيها بعد أن تقدمت به السن. وكان عمله الحقيقي في مدينة حيفا.عمل إميل حبيبي على ذكر القرى العربية التي دمرتها السلطات الإسرائيلية، وأزالتها عن الخارطة الجغرافية، وكذلك ذكر الأماكن التي غيرت فيها السلطات معالم مهمة، طمست شخصيتها العربية القديمة، فيحاول الكاتب تخليد هذه الأماكن الدارسة، والأماكن التي تمّ تغيير ملامحها، وإن كانت رواية “سرايا بنت الغول” من أكثر رواياته سمة لذلك، وتأتي بعدها “المتشائل” و”إخطية”.نستطيع أن نحدد المكان في هذه الروايات الثلاث، فقد ركزت المتشائل على القرى الفلسطينية المدمرة، ثم ركزت إخطية على وصف شوارع حيفا، وما طرأ عليها من تغيير إسرائيلي، أزال الأثر العربي فيها، ليحل محله الطابع الإسرائيلي، أما سرايا بنت الغول، فقد ركزت على المظاهر الطبيعية، كالجبال والوديان والحدائق والغابات، والشوارع القديمة، التي كانت موجودة، أيام كان العرب، وما طرأ عليها من تغيير للمكان في العهد الإسرائيلي.لم يكن المكان في روايات حبيبي بمعزل عن أحاسيس الشخصيات ومشاعرها، فقد أضفى كاتبنا من روحه على المكان، مما جعلنا نتعاطف مع كل مكان ذكره، سواء كان قرية أو حياً أو زقاقاً أو جبلاً أو صخرة.لا أعرف روائياً عربياً، استخدم المكان مثلما استخدمه إميل حبيبي، بهذه الطريقة الجغرافية “الأطلسية” لأن ظروف كاتبنا، تبدو مغايرة تماماً لظروف أي كاتب روائي عربي، فهو يواجه ويجابه، ويخلد شهداءه، سواء من الأماكن أو البشر.إلاّ أن كاتبنا لم يزحف إلى جنوبي فلسطين، ففيه من المدن والقرى الدارسة، ما يفوق شمالي فلسطين، فقد درست مئات القرى وعشرات المدن، وآلاف الأمكنة التي غيرت سلطات الاحتلال معالمها، بل وأزالتها عن الوجود. وقد كان اهتمام كاتبنا مركزاً على شمالي فلسطين فقط، وذلك لأنه لا يكتب إلاّ عما يعرف فقط.

من أدوات المواجهة التي استخدمها إميل حبيبي، اللغة، لأنه يعتبرها المادة الحافظة للشخصية العربية في وجه محاولات الطمس والسحق والتذويب.تكاد تخلو روايات إميل من الحبكة الرئيسة، ومن متعة الحبكة، ولا أقول إن رواياته تخلو من كل نوع من الحبكة، فالحبكة الثانوية موجودة داخل الأُحدوثات أو “القصص القصيرة” التي تتكون منها كل رواية، أما الحبكة الرئيسة التي تعتمد على حدث متنام “بداية، ووسط، ونهاية”. فهي ليست متوافرة في روايات كاتبنا، إلاّ إذا اعتبرنا الحبكة؛ هي البناء الكلي للرواية، عندئذٍ تكون موجودة، لكنها غير ظاهرة للقارئ، فلا تحدث المتعة المطلوبة لقارئها.إذن المتعة في أعمال إميل حبيبي الروائية، ترتكز على عصب اللغة، لا على الحبكة الكلية، فهو يعمل على حبك الترتيب اللفظي، جملة جملة، كلمة كلمة.

يوظف إميل حبيبي اللغة توظيفاً لا يقتصر على المعنى الدلالي، أو الوظيفي لها، وإنما يعصر ما في الكلمة من ظلال وإشعاعات، وموسيقى، وتصوير، سواء كان تصويراً ساخراً أو تصويراً سينمائياً.نلاحظ أيضاً أن لدى إميل أكثر من بناء لغوي، فقد مزج بين الأساليب التقليدية للأدب العربي وبين الأجواء الفلكلورية المحلية، جعلت لغته تثير تداعيات ذات أجواء تراثية، ترجع إلى مئات السنين، وفي نفس الوقت تقع لغة إميل حبيبي في صميم الحداثة؛ بحيث استفاد من كل معطيات العصر الحديث. تعد لغة إميل حبيبي الروائية؛ لغة رامزة، والرمز سمة ظاهرة في رواياته، وقد أسرف كاتبنا في استخدام الرمز إلى درجة الغموض أحياناً، بحيث يصعب على القارئ العادي إيجاد المعادل الرمزي لبعض أحداث رواياته، أو بعض شخوصه الروائية. وأعتقد أن غموض الرمز من المآخذ التي يمكن رصدها على أعمال إميل حبيبي، ففيها من الرمز الغامض ما يجعل النص مغلقاً، ليس على القارئ العادي فحسب، بل وعلى القارئ الناقد أيضاً. خاصة في روايته (إخطية) و (سرايا بنت الغول) مما جعل رواياته تصبح خاصة لفئة معينة من المثقفين أو المتخصصين.نلاحظ أن شخصيات إميل حبيبي الروائية، اتخذت طابع السلوك الجماعي، فخف السلوك الفردي، وندرت الهموم الخاصة، لأن الهموم العامة أكبر من أي تفكير ذاتي، فهي في أغلبها شخصيات قلقة متوترة. ومن الظواهر العامة التي تتسم بها شخصيات الحبيبي الروائية:

– أن كل رواية فيها شخصية تتميز بالكساح أو العجز.

– أن العنصر النسوي، شخوص ثائرة.

– غالباً ما تكون شخوصه بغير ملامح خارجية، وإن اضطر إلى عكس ذلك، فتكون الملامح قليلة.

– الطيران في الفضاء، لإحدى الشخصيات في كل رواية سمة بارزة في كل رواياته (باستثناء السداسية).

– تكمل شخصياته بعضها بعضاً في تطور فكرة معينة في سلسلة رواياته، مثل فكرة النضال الفردي، ثم النضال الجماعي، ثم دعم هذا النضال بالروحانية.يلاحظ المتتبع لتاريخ الرواية العربية، أن بداية التمرد على الشكل الروائي قد بدا واضحاً في نهاية مرحلة الستينيات، وفي بداية السبعينيات، أي بعد هزيمة يونيو 1967م. فقد أدرك الكُتاب أن الوسائل القديمة، بدت عاجزة عن مسايرة متطلبات المرحلة الجديدة، حيث أصيب القارئ العربي بخيبة أمل، بعد احتدام الصراع بينه وبين السلطة، وبذلك تكون الخلفية السياسية والاجتماعية، وراء هذا التمرد.نلاحظ على هذه المرحلة تخبط الروائيين، بين الأشكال الفنية الروائية السائدة، وبين الأشكال المستخدمة في أوروبا، وبين الأشكال التراثية.حاول إميل حبيبي إيجاد شكل روائي عربي يعتمد على تطوير التراث العربي القديم. لأن الأشكال الروائية الوافدة، غريبة عن فكرنا، فوجد إميل في تراثنا القصص العربي، الأشكال والموضوعات، والقيم والأساطير والحكايات والرموز العربية الأصيلة، التي يمكن إحياؤها و “تحديثها” حتى يتشكل لدينا بناءٌ روائي وفق الموروث العربي القديم. ومنحه اسقاطات معاصرة، تعكس قضايا الأمة العربية الراهنة.ربما لم تكن “السداسية” بداية هذا المشروع، حيث كرّس إميل جهده، لتنفيذه في روايته “المتشائل” فكانت تجربة رائدة، لا نجد رواية عربية وصلت إلى مثل هذا التماسك والانصهار في العلاقة بين الشكل والمضمون، على شكل رواية تحمل سمات التراث العربي الخالص. وقد كرر هذه التجربة في “إخطية” وفي “سرايا بنت الغول”. وهذه الأخيرة حملت شكلاً روائياً عربياً أكثر وضوحاً بل يكاد يكون عربياً خالصاً.نخلص من ذلك، إلى أن أعمال إميل حبيبي الروائية تأخذ طابع التجريب المستمر، فهو في حالة مشروع دائم، في كل عمل من رواياته، فالشكل غاية عند كاتبنا، لأنه يعتبر أن هذا الشكل الروائي رد ثقافي على محاولات اقتلاعه من وطنه، شعباً وتراثاً.تعوّد إميل حبيبي أن يكسر كل المساطر التقليدية؛ لتجاوزها إلى أبنية غير معهودة، وتعتبر تجارب إميل رائدة في مستويين:

1- تجاوز إشكال العلاقة بين الشكل والمضمون.

2- استطاع دعم محاولة بناء شكل روائي عربي خالص مستفيداً فيه من تجارب الروائيين العالميين أيضاً.

لقد شغل إميل حبيبي برواياته، الحياة الأدبية العربية، بمحاولاته التجريبية الجادة نحو بناء جديد، فهو لا يقدم شيئاً جاهزاً متعارفاً عليه، ولا يثبت حاله على قالب واحد، إنما كل محاولة مجرد اقتراح أو حلقة تتبعها اقتراحات جديدة في مشروعه الكبيرة. إن عالم إميل حبيبي الروائي، له مذاق خاص، لا يستطيع الولوج إليه إلاّ مدرب قادر على امتطاء صهوة حصانه المتقلب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *