کلام حول غسان كنفاني

کلام حول غسان كنفاني
هذا ما رآه غسان ، أن الحل يكمن في العودة إلى الأرض وليس إلى تركها ، ما حدث مع الفلسطيني في بعض الدول العربية من طرد ، يؤيد مقولة غسان : أن ترك الوطن هو موت محقق ...

عناوين روايات غسان لها دلالاتها الخاصة التي تنسجم مع محتوى النص ، ما تبقى لكم ، عنوان رواية  يقول فيها أيها الفلسطينيون التعساء لم يبق لكم سوى المواجهة  بعد أن فقدتم الأرض  . وفي عنوان روايته ، رجال في الشمس ، بدلا من الموت المجاني ينبغي عليكم دق جدران الخزان  حتى يشعر العالم  الظالم بكم . وفي عنوان روايته ،عائد إلى حيفا ، ليس العودة الوهمية بتصاريح خاصة عبر الجسور المفتوحة مع العدو هي الهدف ،إن الإنسان قضية وحيفا تعود فقط بالحرب وبالسلاح الحديث . أما عنوان رواية ، أم سعد، تلك المرأة الحقيقة التي عرفها غسان وقالت :  خيمة عن خيمة تفرق ، وقالت : سأعود عندما تبرعم الدالية .

روايات غسان ليست نابعة من خياله المحض ، إنما هي قصص حقيقية سمعها  من الناس أو رآها بعينه ، فقد سمع قصة عائد إلى حيفا عندما كان في الكويت  ، ورجال في الشمس ، هي أحداث حقيقية عاشها غسان ،غسان الذي قتلته المخابرات  الإسرائيلية عام 1972  بسبب عملية ميونخ الفدائية ، انتقل غسان بالرواية الفلسطينية من مرحلة البكاء والعويل والحنين إلى مرحلة الواقعية  الثورية  التحريضية ، الرواية الأدبية بطبيعتها فن غير منجز بدون قارئ متفاعل ، غسان كاتب تجريبي ،لديه أفق مفتوح ، لا يعترف بمنطق الحدود والأسقف ،ونحن هنا لا نضع سقفا محددا لدلالات الرموز في روايات غسان ، إنه لا يذكر المعنى بوضوح ولكن بصوره وعلى المتلقي أن يستوعب ويحلل ويفهم ، إنه لا يفصل المعنى ولكن يشير إليه ، أحداث الرواية دراما مفتوحة فهو يجعل المتلقي شريكا  في إبداع نصه  ، فهل روايات غسان لا زالت تراسلية بين زمن الكتابة  وبين زمن القراءة والآن في المستقبل ؟ تمثل رواياته إدانة واضحة لموقف السلطة من  المثقف الملتزم ، وهي إدانة للراهن العربي  وتأليه  الزعيم  الأوحد ،  إنه يدعو إلى التطور الحضاري والتقني . رغم الضجيج الإعلامي الكبير حول غسان  لكنه لم يقرأ قراءة متأنية وجادة ، ولو كان غسان غير منتميا لحزب فلسطيني كبير، ربما لقرأه النقاد قراءة مغايرة ، انتماؤه إلى حزب كبير أثار زوبعات كبيرة حوله  ، كل عام تثار هذه الزوبعة ، يظن البعض أن غسان قد استهلك قراءة وبحثا ، لكن الباحث في هذا المجال لن يجد عنه سوى كلاما صحفيا  فيه أجزاء مكرورة  عن حياته وسلوكياته وبعضا من أفكاره  المتعارف عليها ، في الحقيقة لا نجد دراسات جادة بالمفهوم النقدي الأكاديمي كما عند جبرا إبراهيم جبرا ، وإميل حبيبي .

شخصية أبو الخيزران  محيرة جدا بين متعاطف معها وبين ناقم عليها ، لقد تعلم قيادة السيارة في الجيش الإنجليزي المحتل فلسطين ، فهو من البداية فيه شيء من العقلية الإنجليزية المغتصبة للآخر  ، وقد خسر المعركة الأولى  عام 1948 م وخسر المعركة الثانية أمام الجندي الكويتي على الحاجز فمات من في الخزان ، إنه رمز للقيادة المهزومة التي تستمر في القيادة ، صرخة أبي الخيزران في نهاية الرواية ، لماذا لا تدقوا جدران الخزان ، هي صرخة غسان نفسه وليس صرخة أبو الخيزران .نهاية رواية ، ما تبقى لكم ،تختلف عن نهاية رجال في الشمس ، لكنها إكمال لها ، يريد أن يقول : أن صحراء النقب الفلسطينية هي أرض المعركة وليست صحراء الكويت ، والموت في النقب أفضل من الموت في صحراء الكويت وعلى مزبلة فيها ، أم سعد هي رواية الثورة  الفلسطينية في الأردن ، جيل حامد لم يحمل السلاح الحديث ، وفي أم سعد حمل الفدائي السلاح الحديث  بناء على طلب الدكتور س في عائد إلى حيفا . استطاع إميل حبيبي تجاوز غسان كنفاني وليس هناك من تجاوزه غيره وكلاهما أبناء حيفا وكتبا عن حيفا ، غسان برؤية الخارج المنفي ، وإميل برؤية الباقي في حيفا وله رؤية  ليست مختلفة كثيرا عنه ، لكن موقع الراوي يحدد طبيعة الرؤية إلى المكان . من أين جاء هذا الوعي المبكر لغسان في بداية عمره ، إنه واقع المأساة أولا ، فالبحث عن حل فردي مرفوض عند الجميع  . الحركة الصهيونية قالت : لا عودة إلى فلسطين إلا بالعودة إلى الأرض المقدسة . هذا ما رآه غسان ، أن الحل يكمن في العودة إلى الأرض وليس إلى تركها ، ما حدث مع الفلسطيني في بعض الدول العربية من طرد ، يؤيد مقولة غسان : أن ترك الوطن هو موت محقق .

القراءة وقضايا تأويل النص .. قراءة مغايرة

سيطرت القراءة التقليدية في نص كنفاني  بصفته قائدا ثوريا  ينتمي إلى فصيل مناضل  لهذا كانت  الرؤية من وجهة  نظر الكتاب الفلسطينيين  تكاد تكون واحدة  أو نقول   من زاوية واحدة  إنه مقاتل  وكاتب  ، بعد فترة زمنية مطولة نستطيع أن نغير زوايا الرؤية  ونلاحظ الطاقة الكامنة ليس في المفردات  المعلنة أو الصور  الواضحة  وإنما في إعادة  النظر فيما بين السطور  أو الطاقة الخفية  بين هذه المفردات  وعلاقتها بالصور  التي تفرزها طاقة النص ، ونورد مثالا على ذلك  في رواية ، رجال في الشمس ، حيث ناقش معظم  النقاد شخصية أبو الخيزران  على أنه رجل ظالم  انتهازي  لكن لو عدنا الى طاقة جذور الرؤية  لوجدنا  أنه ضحية من ضحايا  النكبة  وأنه يرمز إلى القائد  الذي يفشل  عدة مرات  في قيادة المجتمع   ثم نعيده مرة أخرى إلى سدة الحكم . أيضا مثال آخر على  زوايا الرؤية  في رواية ،ما تبقى لكم، في أن الكاتب تمثل مخيم  اللاجئين في غزة  وهي خيام  من القماش ، تمثلها على أنها  بيوت  من الإسمنت  يعلق عليها ساعة حائط  وسلم إسمنتي ، هذا انعكاس  لحياة الكاتب في بيروت بعد النكبة  وليس  من واقع حياة مخيمات البؤس  في  غزة ، كما أنه لم تكن توجد ساعة حائط في كل أنحاء غزة فما بالك بمخيم  لا يمتلك مثل هذه الإشارات ، نستطيع من خلال  الطاقات الجديدة  التي  يفرزها النص ومن خلال زوايا جديدة  للرؤية  نستطيع القول : إن أخطاء كثيرة وقع بها كنفاني  نتيجة لابتعاده الإجباري عن المكان والواقع الروائي  . أيضا في رواية ، عائد إلى حيفا ،  حاول غسان رسم  خريطة ذهنية لمدينة حيفا  القديمة  وبجوارها  خريطة جغرافية  لجبل الكرمل  ، هذه الخرائط الذهنية  هي نتاج سماعه من والديه عن المكان خاصة أمه ،  هو لا يتذكر المكان جيدا لأنه  عاش في مدينة يافا  ودرس فيها  لكنه  هاجر من مدينة حيفا  التي هي مكان أحداث  رواياته ، كثيرة هي الصور  التي نستطيع إعادة ترتيبها  بصورة أكثر اندماجا  في خريطة الواقع  وتطابقا  معها  . غسان كنفاني  كاتب كبير  رغم صغر  سنه يوم استشهاده عن  ست وثلاثين عاما  ، العمل الثوري كان ضاغطا عليه  مما  جعله يتسرع في إصدار  إبداعه قبل مراجعتها مع كبار السن  الذين عايشوا  الوطن  بصورة لا يمكن الخطأ فيها . سيبقى  أدب  كنفاني ملهما للشباب أدبا مبدعا وثورة خافقة  مستمرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *