حين يقدم الموظف مشروعاً استراتيجياً (ولا تجد مؤسسته وقتاً للاهتمام به!)

حين يقدم الموظف مشروعاً استراتيجياً (ولا تجد مؤسسته وقتاً للاهتمام به!)
ينتقد الكاتب ضعف الاحتضان المؤسسي للمبادرات الابتكارية في الدوائر الحكومية العراقية، مستعرضاً تجربته في اقتراح مجمع صناعي للطاقة واسترداد الموارد بميناء الفاو الكبير، ومطالباً بآليات جادة لتقييم المشاريع ودعم أصحابها وتحفيز البحث والتطوير...

من المؤسف أن يصبح الاجتهاد والبحث وتقديم الأفكار الاستراتيجية أموراً لا تجد الاهتمام الذي تستحقه داخل بعض مؤسساتنا الحكومية  حتى عندما تصدر عن موظفين يعملون فيها  ويقدمون مشاريع يمكن أن تفتح آفاقاً اقتصادية وتنموية جديدة للعراق .

أتحدث هنا من واقع تجربتي بوصفي أحد موظفي (وزارة الكهرباء/الشركة العامة لتوزيع كهرباء الجنوب)  وصاحب (مقترح مشروع استراتيجي لإنشاء مجمع صناعي متكامل قائم على الطاقة الشمسية الحرارية واسترداد الموارد في المنطقة الاقتصادية لميناء الفاو الكبير) وهو مشروع لا يقتصر على إنشاء محطة لتوليد الكهرباء ، بل يقوم على منظومة مترابطة تشمل محطة شمسية مركزة بطاقة (500 ميغاواط ، ومحطة غازية بطاقة 100 ميغاواط تعمل بالغاز الحيوي) فضلاً عن تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي والمجمع الكيميائي واسترداد الموارد .

لقد سلك المشروع طريقه عبر المؤسسات الرسمية ، إذ خاطبت كتلة منتصرون في مجلس النواب  بموجب كتابها ذي العدد (33 في 10/8/2026) عن طريق النائب (الحاج فالح الخزعلي المحترم) الجهات المعنية بشأنه  ثم جاء كتاب مكتب رئيس مجلس الوزراء ذي العدد (3002/2626267 في 20/9/2026) لإحالته إلى الجهات ذات العلاقة (وزارة النقل/مكتب الوزير ، ووزارة الصناعة والمعادن/مكتب الوزير ، وهيئة المستشارين/مكتب رئيس الهيئة)  ولم يتوقف الأمر عند ذلك فقد أبدت وزارة الصناعة والمعادن اهتماماً واضحاً بالمشروع  إذ أكدت في كتابها ذي العدد (303290 في 12/10/2026) رغبتها الجادة في تبنيه وتطويره وإدارته وتشغيله بصورة متكاملة  واقترحت تشكيل لجنة عليا مشتركة للمضي به.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق الوقوف عندها (وزارة الصناعة والمعادن تتعامل مع المشروع بوصفه فرصة صناعية واستثمارية استراتيجية) بينما (وزارة الكهرباء والشركة العامة لتوزيع كهرباء الجنوب) وهما المؤسستان اللتان أنتمي إليهما  لم تحركا ساكناً بالقدر الذي يتناسب مع أهمية هذا الإنجاز  واكتفتا بكتاب شكر وتقدير لم يتحول حتى الآن إلى أمر إداري رسمي.

والسؤال الذي أطرحه بكل وضوح (إذا كانت الوزارة وإداراتها تبحث باستمرار عن بحوث ودراسات وأفكار لتطوير قطاع الكهرباء  فهل يوجد ما هو أجدر بالاهتمام والمتابعة من مشروع يضع الطاقة الكهربائية في قلب منظومة صناعية واستثمارية متكاملة  ويمنح قطاع الكهرباء فرصة اقتصادية تتجاوز حدود التوليد التقليدي؟؟) .

إن الأرقام الواردة في الدراسة تضع أمامنا فرصة تستحق التوقف  فحصة قطاع الكهرباء المقدرة بنحو (42,6) من المشروع ترتبط بعوائد سنوية تقديرية تصل إلى (394,2 مليون دولار) وفق الحسابات المتاحة حالياً  وهذا رقم اقتصادي كبير  حتى وإن بقي تقديراً أولياً يحتاج إلى استكمال دراسات الجدوى والتفاصيل التنفيذية .

إن القضية هنا ليست انتظار (كتاب شكر) ولا البحث عن (تكريم شخصي) وإنما تتعلق بـ(ثقافة مؤسسية) ينبغي أن تشجع موظفيها على التفكير والابتكار وتقديم الحلول ، فكيف نطلب من الموظف أن يبحث ويقترح ويطور  ثم (لا يجد متابعة جدية لما يقدمه؟) وكيف (نريد من الباحثين والموظفين أن يبادروا  إذا كانت المبادرة نفسها لا تجد التقدير المؤسسي الذي يحفز الآخرين على السير في الطريق ذاته؟)

إن عدم الاهتمام بمثل هذه المبادرات لا ينعكس على صاحب الفكرة وحده ، بل يبعث برسالة سلبية إلى كل موظف يمتلك رؤية أو مشروعاً أو بحثاً يمكن أن يخدم مؤسسته وبلده ، (لسنا بحاجة إلى خطابات تتحدث عن دعم البحث والتطوير بقدر حاجتنا إلى إجراءات تثبت ذلك) فالمؤسسات الناجحة لا تكتفي بالبحث عن العقول والأفكار ، بل تعرف كيف تحتضنها وتحولها إلى مشاريع وفرص اقتصادية حقيقية ، فالمؤسسات الحكومية لا تخسر شيءً عندما تمنح الموظف المتميز (كتاب شكر وتقدير ودرع للابداع لا تتجاوز قيمته 25 ألف دينار وتضع صورته واسمه في لوحة الإعلانات ويلتقط مديره صوراً معه تنشر في الصفحة الرسمية للمؤسسة) فذلك سيكون حافزاً لغيره لتقديم أفضل ما عنده من أجل تطوير المؤسسة .

وأخيراً  أتساءل (متى يصبح البحث والابتكار جزءاً من ثقافة المؤسسات الحكومية لا مجرد عناوين في المخاطبات والاجتماعات؟) ومتى (يدرك المسؤول أن الموظف الذي يقدم مشروعاً بهذا الحجم لا ينبغي أن يضطر إلى المطالبة بالاهتمام والتقدير  وكأنه يستجدي حقاً ليس من حقه أن يطلبه؟)

(إن قيمة المؤسسات لا تقاس بما تملكه من إمكانات فقط ، بل بقدرتها على اكتشاف طاقات موظفيها والاستفادة منها)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *