ثورة الفقراء الصامتة (دينارٌ أضعف وحكومةٌ تتوسع في زمن التقشف)

ثورة الفقراء الصامتة (دينارٌ أضعف وحكومةٌ تتوسع في زمن التقشف)
يثير تراجع قيمة الدينار وتوسّع الهياكل الحكومية تساؤلات حول عدالة توزيع أعباء الأزمة المالية في العراق، ويبرز ضرورة ترشيد الإنفاق، وكشف نتائج مكافحة الفساد، وحماية القدرة الشرائية، وتعزيز الشفافية والمساءلة قبل تحميل المواطنين تكاليف الإصلاح الاقتصادي...

ليست المشكلة أن تعترف الحكومة العراقية بوجود أزمة مالية خانقة  فالأزمة قد تكون حقيقة تفرضها ظروف الاقتصاد والاعتماد المفرط على النفط ، المشكلة الحقيقية أن تطلب الحكومة من المواطن دفع ثمن هذه الأزمة من قوته ودوائه وتعليم أبنائه  بينما تتجه في الوقت نفسه إلى توسيع تشكيلتها الوزارية وزيادة أعبائها الإدارية   هنا لا يعود السؤال اقتصادياً فحسب ، بل يصبح سؤالاً عن *(العدالة  والأولويات  ومدى احترام الحكومة لمعاناة الناس) .

لقد توسم العراقيون خيراً بحكومة رئيس مجلس الوزراء *(علي الزيدي)* خصوصاً بعد إطلاق حملة *(صولة الفجر)* لمكافحة الفساد  وأمل كثيرون أن تكون بداية لمواجهة جدية مع *(منظومة الهدر والفساد)* واسترداد الأموال العامة  ومحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم ، لكن هذا الأمل سيبقى معلقاً ما لم تتحول الشعارات إلى نتائج معلنة  تشمل كبار المتنفذين كما تشمل صغار الموظفين وتصل إلى مراكز النفوذ المالي والسياسي  ولا أن تتوقف عند الأسماء التي لم تعد تمتلك الغطاء أو الحماية السياسية.

المواطن يدفع الفاتورة:

في 7 تشرين الأول 2026  دخل تعديل سعر الصرف حيز التنفيذ  فأصبح سعر بيع الدولار للجمهور *(1,520 ديناراً)* مقابل *(1,320 ديناراً سابقاً)* وبذلك ارتفعت كلفة شراء الدولار بالسعر الرسمي بنحو *(15.2%)* وهو ما يثير مخاوف جدية من انتقال جزء من الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات  ولا سيما أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

ولا ينبغي الادعاء بأن جميع الأسعار ارتفعت بالنسبة نفسها  فذلك يتوقف على المنافسة وكلفة الاستيراد وهوامش الأرباح والسياسات التجارية ، لكن الأثر المحتمل واضح *(المواطن الذي لم يزد راتبه أو أجره)* يجد نفسه أمام فاتورة معيشية أكبر  فيما تتراجع قدرته على شراء الغذاء والدواء وتغطية أجور الدراسة والنقل والسكن.

والأخطر أن الأجور الاسمية قد تبقى ثابتة  بينما تنخفض الأجور الحقيقية ، فالموظف الذي يتقاضى مليون دينار شهرياً لا يحتاج إلى قرار بتخفيض راتبه حتى يشعر بأنه أصبح أفقر  *(يكفي أن يشتري المبلغ نفسه سلعاً أقل)* وهكذا *(تتآكل مدخرات الأسر  وتتراجع قدرة الطبقة الوسطى على المحافظة على مستوى معيشتها  وتزداد هشاشة العائلات التي تقف أصلاً على حافة الفقر)!.

ولا تتوقف الآثار عند الأسواق فحسب فارتفاع كلفة الأدوية والعلاجات والفحوص الطبية قد يدفع بعض الأسر إلى *(تأجيل العلاج أو الاستغناء عن خدمات ضرورية)* كما أن ارتفاع *(كلفة التعليم الأهلي والنقل والمواد الدراسية)* يضع الأسر أمام خيارات قاسية تمس مستقبل أبنائها  ويؤدي تراجع الاستهلاك بدوره إلى الضغط على *(أصحاب المحال والمشروعات الصغيرة)* وقد ينعكس على فرص العمل والنشاط الاقتصادي.

ثلاث وزارات في زمن الأزمة!

تزداد المفارقة وضوحاً مع التقارير التي تناولت التوجه إلى استحداث ثلاث وزارات ضمن ترتيبات استكمال التشكيلة الحكومية *(وزارة السياحة  ووزارة الدولة  ووزارة الذكاء الاصطناعي أو الاستثمار الرقمي)* مع تداول صيغ تنظيمية أخرى لملف الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا  وينبغي تثبيت الأسماء والصلاحيات النهائية وفق القرارات الرسمية  ، إذ إن تداول المقترحات لا يعني بالضرورة أن جميعها أُقرت بصيغتها المتداولة.

إن الاعتراض هنا ليس على السياحة أو التكنولوجيا أو التحول الرقمي  فهي قطاعات مهمة لمستقبل العراق ، بل الاعتراض هنا على إنشاء هياكل وزارية جديدة في لحظة يُقال فيها إن *(المالية العامة تواجه أزمة خانقة)* من دون نشر دراسة واضحة تبين *(كلفة هذه الوزارات  وحاجة الدولة إليها  ومقدار ما ستضيفه من إنتاجية وإيرادات)* ولماذا تعذر تحقيق أهدافها من خلال المؤسسات القائمة

فالوزارة الجديدة لا تعني راتب الوزير وحده ، بل قد تستتبع مكاتب ومبانٍ ومركبات وحمايات ومخصصات ومستشارين وملاكاً وظيفياً ونفقات تشغيلية ، فضلاً عن احتمالات التداخل مع وزارات وهيئات موجودة أصلاً وهذه *(التكاليف)*  وإن اختلف حجمها  تصبح التزامات متكررة في الموازنة المقبلة !.

كيف يُطلب من المواطن تحمل آثار تعديل سعر الصرف  بينما لا يرى خطة معلنة لتقليص الجهاز الحكومي أو مراجعة الامتيازات والنفقات غير الضرورية؟ وكيف يصبح الضغط على معيشة الناس أمراً لا مفر منه  فيما يبدو تقليص المناصب والهياكل الحكومية خياراً قابلاً للتأجيل؟.

*(صولة الفجر)* أمام اختبار الحقيقة:

إن مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد الاعتقالات أو المؤتمرات الصحفية ، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى *(شبكات الفساد الكبرى  واسترداد الأموال  وإغلاق منافذ الهدر  وضمان عدم تكرار التجاوزات على المال العام)* وقد أثارت حملة *(صولة الفجر)* نقاشاً بشأن نطاقها وآلياتها  وهو ما يجعل نشر نتائجها الموثقة أمراً ضرورياً لتعزيز الثقة العامة  .

ولا يصح الجزم بأن كل من شملتهم الإجراءات صغار الفاسدين  أو أن كبار الفاسدين محميون جميعاً  من دون أدلة قضائية موثقة ، لكن من حق المواطن أن يسأل التالي *(ما حجم الأموال المستردة فعلياً والى أين ذهبت ؟ وما مصير الملفات الكبرى ؟ وهل تُطبق معايير المحاسبة على الجميع بلا استثناء أم هنالك معايير أخرى ؟)* إن غياب الإجابات التفصيلية يفتح الباب أمام الشك  ويجعل شعار الإصلاح عرضة لفقدان مصداقيته.

استنتاجات وتوصيات :

أولاً : ينبغي نشر دراسة مالية معلنة عن كلفة أي وزارة مستحدثة  ومبررات إنشائها  ومؤشرات أدائها  ومقارنتها بخيار دمج الاختصاصات القائمة.

ثانياً : مراجعة نفقات الرئاسات والوزارات والحمايات والإيفادات والمركبات والاستشارات  وإلغاء غير الضروري منها وفق القانون  قبل تحميل المواطنين أعباء إضافية.

ثالثاً : نشر تقارير دورية عن *(صولة الفجر المزعومة)* التي والحمد لله قد توقفت!!  تتضمن الإجراءات القضائية والأموال المستردة ومراحل حسم الملفات  مع ضمان استقلال القضاء وقرينة البراءة.

رابعاً : إعداد برنامج لحماية *(القوة الشرائية)* يتضمن *(مراقبة الأسواق ومكافحة الاحتكار  وتوجيه المساعدات إلى الفئات الأشد تضرراً كما هو معمولٌ به في العديد من الدول التي تمتلك الكرامة)* ومتابعة كلفة الغذاء والدواء والتعليم.

خامساً : تحويل الإصلاح المالي من الاعتماد على سعر الصرف إلى زيادة *(الإيرادات غير النفطية  واسترداد الديون العامة  وإصلاح الجمارك والضرائب  ومكافحة التهرب  وتنويع الإنتاج ).*

الخاتمة:

إن *(ثورة الفقراء)* التي ينبغي أن تقلق أي حكومة ليست دعوة إلى العنف ، بل هي ذلك الغضب الاجتماعي المتراكم حين يشعر المواطن بأن التضحيات *(موزعة بصورة غير عادلة  وأن الوعود أكبر من النتائج!!)* فالناس لا يطلبون المستحيل بل إنهم إنهم يريدون دولةً *(تقلص امتيازاتها قبل أن تقلص قدرتهم على العيش!!)* وتحاسب *(أصحاب النفوذ كما تحاسب الموظف البسيط!)* وتثبت أن مكافحة الفساد *((مشروع دولة))* لا حملة إعلامية عابرة.

*(إذا كانت الأزمة خانقة حقاً  فلتكن أولى خطوات التقشف (تقليص كلفة السلطة) لا توسيعها  وأولى خطوات الإصلاح (محاسبة الفساد الكبير) لا الاكتفاء بما يسهل الوصول إليه ، فالثقة (لا تُستعاد بالشعارات ، بل بالعدالة والشفافية والنتائج).*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *