أدّب نفسك على حب علي… تثبت في الفتن… تمهد للمهدي

أدّب نفسك على حب علي... تثبت في الفتن... تمهد للمهدي
يربط النصّ التمهيد للإمام المهدي بتزكية النفس والاقتداء بأخلاق الإمام علي والثبات على الولاية في مواجهة الفتن، مؤكداً أن الانتظار الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل بالعبادة والعدل والورع والاستقامة وصناعة الإنسان المؤمن...

المقدمة : هناك حديث مرعب يهز القلب، قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يكشف حقيقة الزمن الذي نعيشه نحن اليوم. قال: “يأتي على الناس زمان، الصابر على دينه كالقابض على جمرة من نار”.

نحن نعيش هذا الزمان. زمان الجمر. زمان الفتن التي تدخل البيوت بلا استئذان من خلال شاشة صغيرة في جيبك. فتن الشبهات التي تشككك بدينك، وفتن الشهوات التي تشتري ولاءك بثمن بخس ففي هذا الزمان، لم يعد الثبات على ولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام مجرد حب عاطفي نردده في المجالس ونرفع به أصواتنا. بل أصبح الثبات معركة يومية، جهاداً حقيقياً، وامتحاناً عسيراً سيسقط فيه الكثيرون، ويثبت فيه القليلون الذين أدبوا أنفسهم قبل أن تأتي الفتنة كما إن طريقنا إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف لا يمر من كربلاء فقط، بل يمر من الغدير أولاً. فمن لم يثبت على ولاية الأب، لن يثبت على ولاية الابن. ومن لم يفهم علياً، لن يفهم المهدي.

المرحلة الأولى: أدّب نفسك على حب علي فالحب ليس كلاماً

كلنا نقول “أشهد أن علياً ولي الله”، ولكن هل أدبنا أنفسنا على حب علي فعلاً؟

حب علي عليه السلام ليس قصيدة نحفظها، ولا راية نرفعها في عاشوراء فقط. حب علي هو منهج حياة. هو مدرسة لتأديب النفس.

علي عليه السلام هو الذي كان يقول: “ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه”. فهل أدبت نفسك على الزهد في الدنيا كما فعل علي؟ أم أن الدنيا هي التي أدبتك فجعلتك تركض وراءها ليل نهار، مستعداً أن تبيع دينك وولايتك من أجل ترقية أو منصب أو مال حرام؟

علي عليه السلام هو الذي كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ويقول “آه من قلة الزاد وطول الطريق”. فهل أدبت نفسك على قيام الليل والعبادة؟ أم أن صلاة الفجر ثقيلة عليك ولا تستطيع أن تترك فراشك الدافئ؟

علي عليه السلام هو الذي كان عادلاً حتى مع أعدائه، لا يظلم ولا يجور. فهل أدبت نفسك على العدل في بيتك؟ هل أنت عادل مع زوجتك؟ مع أبنائك؟ مع جيرانك؟ مع منافسيك في العمل؟ أم أنك تلبس ثوب علي في المسجد وتخلعه في السوق فتغش وتكذب وتظلم؟

تأديب النفس على حب علي يعني أن تجعل علياً مرآة ترى فيها نفسك كل يوم. اسأل نفسك كل ليلة: لو كان علي حاضراً معي اليوم، هل كان سيرضى عن عملي؟ هل كان سيرضى عن كلامي؟ هل كان سيرضى عن مالي؟

إذا كان جوابك لا، فأنت لم تحب علياً بعد، بل أحببت صورة علي التي في خيالك. أما علي الحقيقي، فحبه نار تحرق كل ذنب في قلبك، ونور يضيء كل ظلمة في نفسك.

إن تأديب النفس هو الخطوة الأولى، لأنه بدون نفس مؤدبة، لا يمكن أن تثبت في الفتنة. النفس غير المؤدبة كالريشة في مهب الريح، تأخذها أي فتنة وأي شبهة.

المرحلة الثانية: تثبت في الفتن والفتن الآن في كل مكان

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “كونوا كالنحلة في الطيران، تأكل طيباً وتضع طيباً، وإذا وقعت على عود لم تكسره”نحن اليوم في زمن فتن لا تشبه أي فتن مرت على التاريخ. فتنة المال الحرام الذي أصبح يأتيك وأنت جالس في بيتك عبر الربا والرشوة والاحتيال الإلكتروني. فتنة النساء المتبرجات اللواتي يظهرن لك في كل تطبيق تفتحه. فتنة الشهرة الزائفة التي تجعل الشاب يبيع دينه ومذهبه من أجل متابعين على التيك توك. فتنة الشبهات العقائدية التي يشككونك فيها بعصمة الأئمة وبوجود الإمام المهدي وبحقيقة الغدير.

كيف تثبت؟

الثبات ليس بالكلام، بل بالأصول

الذي لم يؤدب نفسه في المرحلة الأولى، سيسقط في هذه المرحلة حتماً. لأنه لا يملك جذراً. كالشجرة التي ليس لها جذر، تأتي ريح صغيرة فتقلعها أما الذي أدب نفسه على حب علي، فله جذر عميق. يعرف لماذا هو شيعي. يعرف لماذا يوالي علياً. ليس لأنه وجد آباءه على ذلك، بل لأنه بحث وقرأ وفهم أن ولاية علي هي الحق، وأنها سفينة النجاة الوحيدة في بحر الفتن.

الثبات في الفتن يعني:

  1. أن تثبت على الصلاة في وقتها: في زمن كل شيء يؤخرك عن الصلاة، من يثبت على صلاته فقد ثبت على ولايته.
  2. أن تثبت على الورع: أن تقول “هذا حرام لا آكله” في زمن الكل يأكل الحرام ويقول “الكل يفعل ذلك”. ورعك هو ثباتك.
  3. أن تثبت على البراءة والولاية: لا تجامل على حساب ولايتك. لا تتنازل عن عقيدتك لترضي الناس. من يتنازل عن ولاية علي اليوم ليرضي فلاناً وفلاناً، سيتنازل غداً عن ولاية المهدي ليرضي السفياني.

إن الفتن هي غربال الله. قال الإمام الباقر عليه السلام: “لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، وإن صاحب الكحل يعلم متى يقع في العين ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا ويصبح وقد خرج منها”.

انظر إلى خطورة الحديث! يصبح مؤمناً ويمسي كافراً بولاية علي بسبب فتنة واحدة في هاتفه! لهذا، من لم يثبت الآن، لن يثبت عند ظهور المهدي.

المرحلة الثالثة: تتمهد للمهدي فالمهدي ابن علي والآن، بعد أن أدبت نفسك على حب علي، وثبت على ولايته في زمن الفتن، أنت أصبحت ممهداً حقيقياً.

لماذا؟ لأن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ليس شخصاً غريباً عن علي. هو ابن علي، هو امتداد علي، هو ثأر علي، هو الذي سيحقق حلم علي في دولة العدل الإلهي.

الإمام المهدي لا يبحث عن أناس جدد، بل يبحث عن شيعة علي الحقيقيين. عن أولئك الذين لم يبيعوا ولاية علي في الرخاء، فكيف سيبيعون ولاية ولده في الشدة؟

التمهيد للمهدي ليس أن تلبس لباساً عسكرياً وتنتظر، بل أن تلبس لباس التقوى وتنتظر.

الممهد الحقيقي هو:

– عادل كجده علي: فلا يظلم أحداً، لأنه يعلم أن دولة المهدي هي دولة العدل، فكيف يدخلها ظالم؟

– شجاع كجده علي: لا يخاف في الله لومة لائم، يقول الحق ولو على نفسه.

– عابد كجده علي:رهبان الليل، كما وصفت روايات أصحاب المهدي.

– زاهد كجده علي: لا تسيطر عليه الدنيا، قلبه معلق بالله وبإمامه.

إن الراية التي سيرفعها المهدي مكتوب عليها “يا لثارات الحسين”، ولكن حبر هذه الراية هو ولاية علي. فمن لم يكن حبره ولاية علي، لن يستطيع أن يحمل هذه الراية.

الخلاصة: الطريق واضح، بثلاث خطوات لا رابع لها:

أدّب… فاثبت… فتمهد.

أدّب نفسك اليوم على حب علي بصدق، لا بالكلام، بل بالعمل واثبت على هذا التأديب في زمن الفتن، وعض على ولاية علي بالنواجذ، كما تعض على الجمرة حينها، ستكون قد مهدت للمهدي، دون أن تدري. لأنك حينها ستكون قد صنعت نفسك، وصناعة النفس المؤمنة الثابتة على ولاية علي هي أعظم تمهيد لدولة ولده المهدي.

لا تقل: متى يظهر الإمام؟ بل قل: هل أنا مستعد لأن أظهر معه؟

فالإمام ينتظر أنصاراً أدبوا أنفسهم على حب جده علي، وثبتوا على ولايته في زمن باع الناس فيه دينهم بدنياهم، ليكونوا هم النواة الأولى لدولته العادلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *