ملاحظات أولية على مشروع موازنة 2027 .. الجزء الثاني

ملاحظات أولية على مشروع موازنة 2027 .. الجزء الثاني
تكشف تقديرات موازنة العراق لعام 2027 ثقل النفقات التشغيلية، ولا سيما تعويضات الموظفين والرعاية الاجتماعية. ويستدعي ترشيد الإنفاق تدقيق الاستحقاقات، ومكافحة الهدر، وتحسين الرقابة المالية، دون المساس بحقوق العاملين والفئات المستحقة للحماية الاجتماعية...

النفقات التشغيلية ومعركة الترشيد ..
إنّ المعركة الحقيقية في مناقشة مشروع موازنة عام 2027 ليست في زيادة الإيرادات وحدها ، ولا في البحث عن قروض جديدة لتغطية العجز ، بل في مراجعة النفقات التشغيلية ، والكشف عن مواطن الهدر فيها ، وتحديد ما تستطيع الدولة الاستغناء عنه من دون المساس بحقوق المواطنين أو تعطيل مؤسساتها ..
وتبلغ النفقات العامة المقدّرة في مشروع الموازنة نحو 217.239 ترليون دينار .. ويعرض جدول الإنفاق حسب موازنة البنود تسع فقرات رئيسية ، تبدأ بتعويضات الموظفين وتنتهي بالرعاية الاجتماعية ، وتشمل المستلزمات السلعية والخدمية ، وصيانة الموجودات ، والمنح والإعانات والفوائد ، وخدمة الدين ، والالتزامات الخارجية وغيرها ..
إنّ التعامل مع هذه الأرقام يقتضي دراسة كل فقرة على حدة ، ومعرفة مكوناتها وأوجه الصرف فيها ، ثم تحديد ما يمكن ترشيده استناداً إلى بيانات دقيقة .. فليس من المنطقي أن نطالب بتخفيض الإنفاق من دون أن نعرف أين تُنفق الأموال ، ولا أن نُحمّل المواطن كلفة العجز بينما تبقى أبواب الإنفاق الحكومي بحاجة إلى التدقيق والمراجعة ..
أولاً: تعويضات الموظفين ..
تُظهر بيانات الجدول تخصيص نحو 64.714 ترليون دينار لتعويضات الموظفين . وهذا مبلغ كبير يستحق الدراسة التفصيلية ، ليس بهدف الانتقاص من حقوق الموظفين ، بل لمعرفة مدى كفاءة إدارة الملاك الحكومي ، ودقة بيانات العاملين ، وطبيعة الرواتب والمخصصات والأجور التي تتحملها الخزينة العامة ..
وتبدأ المراجعة المطلوبة بتدقيق بيانات الموظفين والملاك الفعلي لكل مؤسسة ، والتحقق من حالات الازدواج الوظيفي أو تقاضي الرواتب من دون استحقاق ، ومراجعة المخصصات والأجور الإضافية وفق القوانين النافذة ، فضلاً عن مطابقة التعيينات والاحتياجات الفعلية للمؤسسات الحكومية .. كما ينبغي إخضاع التوسع في الملاك والتعيينات الجديدة لدراسة الاحتياجات الحقيقية للدولة ، بدلاً من تحويل الوظيفة العامة إلى وسيلة لاستيعاب البطالة أو الاستجابة للضغوط السياسية ..
إنّ السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة ليس كيف تخفّض رواتب الموظفين ، بل كيف تتأكد من أن كل دينار يُدفع من هذا الباب يقابله استحقاق قانوني وحاجة فعلية ؟ وما حجم الوفر الذي يمكن تحقيقه من معالجة المخالفات والهدر ، بعد تدقيق البيانات والأرقام ؟
ثانياً الرعاية الاجتماعية ..
تبلغ تخصيصات الرعاية الاجتماعية ، وفق الجدول ، نحو 33.032 ترليون دينار. وهذه الفقرة لا يجوز التعامل معها بمنطق التخفيض الأعمى ، لأنها ترتبط بمعيشة فئات تحتاج إلى حماية الدولة ومساندتها .. لكن حماية المستحقين لا تعني إعفاء منظومة الرعاية الاجتماعية من التدقيق .. فمن الضروري مراجعة قواعد بيانات المستفيدين ، والتحقق من استمرار شروط الاستحقاق ، وكشف حالات الاحتيال أو الجمع غير القانوني بين الإعانات ، وضمان عدم حصول غير المستحقين على أموال خُصصت للفئات الأكثر حاجة .. ويمكن للتدقيق المنتظم وتبادل البيانات بين مؤسسات الدولة أن يساعدا في سد منافذ الهدر ، مع ضمان عدم حرمان أي مواطن مستحق من حقه .. والمطلوب هنا هو تحسين الاستهداف ورفع كفاءة الإنفاق ، لا تقليص الحماية الاجتماعية عن الفقراء وذوي الدخل المحدود ..
معركة الأرقام قبل قرارات التخفيض ..
إنّ تعويضات الموظفين والرعاية الاجتماعية تمثلان بابين أساسيين يستحقان التدقيق ، لكن تحديد مقدار الوفر الممكن تحقيقه يتطلب بيانات تفصيلية عن مكونات كل تخصيص ، وأعداد المستفيدين ، والاستحقاقات القانونية ، وحالات المخالفة أو الهدر التي يمكن إثباتها ..
ومن هنا ندعو إلى مراجعة شاملة للنفقات التشغيلية ، فقرةً فقرة ، وإلزام الجهات الحكومية بتقديم بيانات واضحة عن أوجه الصرف والنتائج المتحققة منه .. فالموازنة ليست مجرد أرقام تُجمع وتُعتمد ، بل مسؤولية في إدارة المال العام وترتيب أولويات الدولة ..
إنّ الإصلاح المالي الحقيقي يبدأ حين تتوقف الدولة عن الإنفاق بلا تدقيق ، وتصبح كل نفقة موضع مساءلة ، وكل تخصيص مرتبطاً بحاجة فعلية ، وكل دينار مصروف خاضعاً لمعيار الضرورة والكفاءة .. وأعتقد جازما أنّ مراجعة لفقرات الإنفاق التشغيلي ، كافية لترشيدها بشكل كبير ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *