حين تضطرب الساعة البيولوجية للفرد، يختل القرار الاداري،مقاربة معاصرة

حين تضطرب الساعة البيولوجية للفرد، يختل القرار الاداري،مقاربة معاصرة
يؤثر اضطراب الساعة البيولوجية في التركيز وجودة القرارات الإدارية، وتتفاقم تداعياته مع السهر والإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية. ويقتضي تحسين الأداء المؤسسي تنظيم النوم، وإدارة الطاقة البشرية، ومرونة العمل، ومواءمة المهام مع الإيقاع الحيوي للعاملين....

نظم القرآن الكريم الحياة الانسانية تنظيما دقيقا،ولم يترك الله عزوجل شيء لتنظيم الانسان لم يدركه التحليل اوالقول او التوصية.
وأنا أقرا في سورة الأسراء المباركة بآياتها (111) توقفت عند الآية الكريمة :
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}(12)،وزادني الفضول العلمي لأسناد هذه الاية بآيات إخرى كريمات مثل:
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا،وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} (النبأ 10-11)
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّليْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا }(الفرقان 47)
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا }(يونس 67)
{وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّنَهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [الروم: 23].
واخذني الفضول العلمي لتفسير معنى هذه الايات الكريمات لأصل الى ان الليل والنهار قد نظم تنظيم الهي دقيق من الخالق(أن الليل قد خلقه الله للسكون والسبات والراحة، والنهار للسعي في الأرض والعمل لكسب العيش. فقد وضع فيه ساعة بيولوجية تضبط صحوه ومنامه مع دورة الأرض حول الشمس) وزادني فضول البحث للتعرف عن ماهية الساعة البيولوجية التي يحملها الانسان ، وماذا يحصل اذا ما اضطربت هذه(الساعة) في جسم الانسان،وماهي اسباب هذا الاضطراب. وحاولت ان اربط ذلك مع ما يثار ويشاع عن ان التغيرات المعيشية والتطور الرقمي واستخدام اجهزة التواصل الاجتماعي والغلق السلوكي للانسان ،قد غير ولازال يغير من سلوكيات وتصرفات الافراد في حياتهم اليومية تغييرا جذريا، فسلوك اليوم يختلف عن سلوك الامس،حيث أصبحت العائلة تسهر الليل مستعينة بنظام الانترنيت وقنوات التواصل الاجتماعي لتنام صباحا، فهو تغير ليس استثناءا وانما أصبح سلوكا مشاعا عند جميع العوائل والافراد.
اما إيقاع الحياة فهو( الوتيرة أو السرعة التي تدور بها أحداث وأنشطة حياة الإنسان اليومية، وتتراوح بين الهدوء والسرعة. يمثل هذا المفهوم “نبض” الحياة، ويشمل تنظيم الوقت، مراحل النوم واليقظة (الساعة البيولوجية)، والالتزامات الشخصية والعملية).
فماهي الساعة البيولوجية وكيف تعمل وكيف تضطرب؟
توجد الساعة البيولوجية أو ما تعرف بالساعة الحيوية Biological Clock ، في منطقة تحت( المهاد بالدماغ (النواة فوق التصالبية)، بينما توجد ساعات فرعية في معظم خلايا وأنسجة الجسم، وتتأثر بشكل مباشر بضوء الشمس والعادات اليومية).
وهذه الساعة هي ساعة داخلية (فطرية تسير ذاتيا، تتحكم بدورات النوم والاستيقاظ، من خلال إفراز هرمون الميلاتونين ،فضلا عن دورها الكبير في كل ما يخص الإنسان) كما تنظم وقت النوم ووقت الشعور بالجوع والتغيرات في مستوى الهرمونات ودرجة الحرارة في الجسم. فالنوم يساعد الافراد (على استعادة طاقتهم العقلية ووظائفهم المعرفية التي غالبا ما يتم استهلاكها أثناء ساعات اليقظة).كما تحدد التغيرات الحيوية والنفسية التي تتبع(دورة الساعة الحيوية في 24 ساعة بالإيقاع اليومي وأنماطا سلوكية دورية إيقاعية rhythmic cycles)‏ أي تحدث عند(فواصل زمنية منتظمة، تتفق غالبا مع دورة الليل والنهار، أو مع تعاقب الفصول).
وهذه الساعة تنظيم إلهي لحركة جسم الانسان، و صيانة وإصلاح العمليات الحيوية الأساسية مثل(نمو العضلات، وصيانة الأنسجة، وإنتاج البروتين وإطلاق هرمونات النمو، وهذه الهرمونات تساعد الأطفال على النمو بشكل طبيعي، وتلعب ايضا دورا رئيسيا في مساعدة البالغين على إعادة بناء الأنسجة بمرور الوقت) وقد اكتشف العلماء حديثا(موروثات محددة في نواة الخلية تتحكم بالوقت في جسم الإنسان وتنظم عملياته الحيوية).
لقد منحنا الله هذه الساعة لتنظيم حياتنا من خلال إفراز( هرمون الميلاتونين (Melatonin)، الذي يسبب أي خلل في إفرازه اضطرابات ومشاكل في النوم) واي خلل في هذا الهرمون يشكل إضطراب سلوكي ونفسي قاسي على الانسان ويصيبه بالأرق وعدم النوم، فالنوم (هو أعمق مؤشر على الإيقاع اليومي الصحي، فعندما يصاب نومنا بالقلق، يكون لذلك تأثيرات أبعد من أدمغتنا).
لقد أظهرت الدراسات أن الافراد المحرومين بشكل(مزمن من النوم الجيد لديهم جهاز مناعة ضعيف) لذلك فإن محافظة الفرد على جدول نوم ثابت هو إستراتيجية فاعلة للحفاظ على جهاز المناعة السلوكي والذي هو رصيدنا في مقاومة الامراض.

هذه الساعة الإلهية تم تخريبها من قبل الإنسان نفسه، وذلك بالسهر المستمر إلى ساعات متأخرة من الليل،فقد عكسنا الطبيعة البشرية التي خلقنا عليها وخربنا ساعاتنا البيولوجية بايدينا، بالاستخدام المفرط لاجهزة الحاسوب واجهزة الخلوي في المنازل دون ان نعي تأثير الضوء الصناعي او مايعرف بالضوء الازرق فزيادته قاتلة اذ(يسبب جفاف العين، والتنكس البقعي، وإعتام عدسة العين، وعدم التوازن الهرموني)إضافة الى تداعيات من المؤكد ان تكون قاتلة مثل زيادة معدلات الاكتئاب وانخفاض الشعور بالسعادة وعدم الاستقرار المزاجي و(الاضطراب ثنائي القطب)والشعور بالوحدة لدى الأشخاص.
والنتيجة اضطراب ساعتنا البيولوجية بسبب (خلل في الآليات الداخلية أو عوامل خارجية تعطل التزامن اليومي، بسبب التعرض للضوء الأزرق ليلاً، والعمل بنظام الورديات، والسفر عبر المناطق الزمنية (Jet lag)، وعدم انتظام مواعيد النوم والطعام، والتقدم في العمر، واضطرابات هرمون الميلاتونين أو المشاكل الصحية).
لقد أصبح التباعد الاجتماعي والاهتمام المزمن باجهزة التواصل الاجتماعي وقراءة الاخبار المفبركة اساس في تنظيم السلوك الانساني دون اهتمامنا بعنصر الوقاية الآلهي المتاح للجميع، وهو إيقاعك اليومي،من خلال ساعتك البيولوجية.
لم يغفل الفكر الاداري الحديث ظاهرة اضطراب الساعة البيولوجية عند المرؤوسين في منظمات الاعمال بسبب الحياة الجديدة حيث يرى فيها تهديدا مباشرا (للرأسمال المعرفي،اذ يؤدي اختلال الإيقاع الحيوي الى تراجع التركيز وضعف الابداع).
ولذلك ارتبط الفكر الإداري الحديث بالساعة البيولوجية للعاملين في منظمات الاعمال، ارتباطاً وثيقاً من خلال مفهوم (إدارة الطاقة والإنتاجية Energy and Productivity Management) بدلاً من مجرد “إدارة الوقت”. فبينما ركز الفكر الإداري الكلاسيكي (مثل نظرية الإدارة العلمية لرائد الادارة Frederic Taylor ) على إجبار العامل على التكيف مع آلات ومواعيد العمل الصارمة، يتجه الفكر الإداري الحديث إلى تطويع بيئة العمل لتتناسب مع طبيعة الإنسان الحيوية لتحقيق أعلى كفاءة ممكنة.
ويمكن تفصيل هذا الربط بين الفكر الإداري والساعة البيولوجية من خلال المحاور التالية:
1- تطور المدارس الإدارية تجاه العنصر البشري:
-المدرسة الكلاسيكية: كانت تنظر للعامل كآلة، وتفترض أن الإنتاجية ثابتة طوال ساعات العمل الثمانية.
-مدرسة العلاقات الإنسانية والاتجاهات الحديثة: أدركت أن العامل كائن حي يتأثر بمحيطه وبيولوجيته، وأن إجهاد الساعة البيولوجية يؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة وزيادة الحوادث المهنية.
2- مفهوم إدارة الطاقة (Energy Management)وليس الوقت:
يرى الفكر الإداري الحديث أن الوقت محدود (24 ساعة)، لكن الطاقة الحيوية قابلة للتجدد.
فهم الساعة البيولوجية يساعد القائد الاداري في توجيه المرؤوسين في منظمة الاعمال لجدولة المهام المعقدة والتي تتطلب تركيزاً عالياً (مثل التخطيط الاستراتيجي وحل المشكلات) في أوقات ذروة نشاطهم البيولوجي، وتأجيل المهام الروتينية لأوقات انخفاض الطاقة.
3- مرونة العمل وتصميم الوظائف (Flexible Work Design):
-النمط الصباحي والمسائي: يقسم الفكر الإداري الحديث المرؤوسين بناءً على ساعتهم البيولوجية إلى “طيور صباحية” (ينتجون أفضل مبكراً) و”بوم مسائي” (تزداد طاقتهم ليلاً).
-التطبيقات الإدارية: أدى هذا الفهم إلى ابتكار آليات مثل:
-ساعات العمل المرنة (Flextime): -السماح للموظف باختيار وقت بدئه للعمل.
-العمل عن بُعد: الذي يمنح الفرد القدرة على تنظيم يومه بما يتوافق مع إيقاعه الحيوي.
4- القيادة واتخاذ القرارات (Executive Functioning)
ترتبط جودة القرارات الإدارية بمستوى هرمونات الفرد مثل الميلاتونين التي تنظمها الساعة البيولوجية.
يوصي الفكر الإداري الحديث القادة الاداريين بتجنب عقد الاجتماعات المصيرية أو اتخاذ القرارات الاستراتيجية في أوقات “الخمول البيولوجي” (مثل وقت ما بعد الظهيرة أو الساعات المتأخرة من الليل) لتفادي ما يسمى بـ “إرهاق القرار”(Decision Fatigue).
ولتنظيم الحياة الصحية والمحافظة على الساعة البيولوجية للفرد ،لابد من الاهتمام والتعلق بالقاعدة المبهرة ( 10-3-2-1-0) وهذه القاعدة هي روتين صحي لتحسين جودة النوم وعلاج الأرق من خلال تنظيم أنشطة ما قبل النوم.
وضع هذه القاعدة العالم الأمريكي في مجال اللياقة البدنية والصحة (Craig Ballantyne). وتهدف هذه المعادلة إلى تحسين جودة النوم وتنظيمه من خلال خطوات تدريجية قبل النوم، تعتمد على التوقف التدريجي عن المثيرات.
وتحليل قاعدة ( 10-3-2-1-0) يتم كما يلي:
اولا- 10 ساعات قبل النوم: التوقف عن تناول الكافيين (القهوة، الشاي، مشروبات الطاقة، الشوكولاتة) لضمان خروجه من الجسم.

ثانيا – 3 ساعات قبل النوم: التوقف عن تناول الوجبات الثقيلة أو الكحول لتجنب عسر الهضم وحرقة المعدة التي تعيق النوم.
ثالثا- 2 ساعة قبل النوم: التوقف عن العمل أو الدراسة (المهام العقلية) لإعطاء الدماغ فرصة للاسترخاء والتحول من وضع التركيز إلى الراحة.
رابعا- ساعة واحدة قبل النوم: التوقف عن استخدام الشاشات (الهاتف، التلفزيون، الكمبيوتر) لتجنب الضوء الأزرق الذي يمنع إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم ).
خامسا- 0 (عند الاستيقاظ): تجنب استخدام زر “الغفوة” (Snooze) تماماً، والاستيقاظ مباشرة، مما يقلل الخمول الصباحي.
إذن،لنحافظ على ما منحنا الله من جهاز مناعة ذاتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *