بعد ان بينا في مقال اسبق مدلول التغيير الاجتماعي ومصادره والياته وحتميته واتجاهاته من حيث الأثر وتناولانا في مقالات سابقة اتجاهات التغيير الاجتماعي في كل من تونس ومصر والسودان وليبيا نبين في هذا المقال اتجاه التغيير الاجتماعي في الجمهورية العربية السورية فهي ركيزة أساسية في الصراع مع الكيان الصهيوني وتحتل أهمية خاصة بحكم موقعها الجغرافي فهي حلقة وصل ما بين قارات العالم وذات مناخ معتدل وهو مناخ البحر المتوسط مما جعلها هدفاً وحلبة للصراعات الدولية.
جذور التغيير وبداياته/
حكمت عائلة الأسد الجمهورية العربية السورية لمدة (54) عام في البدء حافظ الأسد من 1970_2000 ثم بشار الأسد من 2000-2024 بنظام الحزب القائد المهيمن اذ يوجد حزب واحد وهو حزب البعث العربي الاشتراكي جناح سوريا مهيمن على المشهد السياسي وتوجد أحزاب أخرى الا ان وجودها شكلي وغير مؤثر على المشهد السياسي مثل الحزب الشيوعي السوري وحزب العهد الوطني وحزب الوحدويين الاشتراكيين…. هيمنة عائلة الأسد على الدولة بكافة مفاصلها وعلى الحزب كذلك بقبضة امنية تقمع كل معارض فلا مجال للحديث عن الحريات السياسية والممارسات الديمقراطية خلال تلك الفترة وكحال اغلب دول المنطقة تأثرت سوريا بامتدادات الربيع العربي وحلم التغيير.
الا ان تغيير النظام كان صعب وعسير امتد فيه الصراع ما بين النظام والقوى الداعمة له وما بين الجماهير الحالمة بالتغيير ومن يدعمها لمدة (14) عام وأصبح لهذا الصراع ارتدادات دولية فكانت حرب بالإنابة ما بين أطراف متعددة قسم منها يدعم بقاء نظام بشار الأسد وقسم منها يسعى لتغييره ومن ابرز القوى الداعمة لبقاء النظام هي ايران التي ترى في بقاء نظام بشار الأسد ضمان لطريق الامداد لحزب الله في لبنان كذلك يمثل النظام معارضه صامتة للكيان الصهيوني وكذلك روسيا تدعم نظام الأسد فهو يمثل نقطة من نقاط استقرار المنطقة الامنة لها وحليف استراتيجي تاريخي
اما القوى الداعمة لتغيير حكم الأسد فهي (أمريكا وروسيا) مجتمعة اللتان تحاولان جاهدتان من تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة وقطع امدادات السلاح للقوى المعارضة للدولتين (حزب الله وحماس) وكذلك تركيا دعمت التغيير فهي تنظر بتوجس الى الكرد وتسعى دائماً الى اجهاض حلمهم بتأسيس دولة قومية لهم فضلاً عن وجود قرابة مليوني مهاجر سوري على الأراضي التركية لذلك سعت تركيا الى تغيير النظام وكذلك وقفت عدد من الدول العربية الخليجية وفرنسا مع التغيير
حصيلة الصراع المجتمعي
بلغت حصيلة الصراع المجتمعي مع قوات بشار الأسد للمدة من 2011-2024
1- قرابة 600،000 قتيل
2- 6،2 مليون مهاجر الى دول أخرى 76% منهم في دول الجوار
3- 7،5 مليون نازح داخلي
4- تضرر قرابة 52% من السكان
5- الجانب الاقتصادي: بسبب الصراع على السلطة والتشبث بها انخفض الناتج المحلي الإجمالي من 67،54 مليار دولار عام 2011 الى 19،99 مليار دولار عام 2023
ليعاني 90% من السوريين من الفقر.
بل ان مدن سوريا أصبحت إثر بعد عين بسبب العنف المفرط الذي اتبعه نظام بشار الأسد فمثلاً في مدينة حلب بلغ عدد المباني المدمرة (35722) مبنى وفي ادلب بلغ عدد المباني المدمرة 1415 مبنى وبلغ مجموع المباني المدمرة في محافظة الغوطة (34136) وتبلغ التقديرات التخمينية لإعادة اعمار سوريا قرابة ال 400 مليار دولار.
اما عن أبرز النتائج السلبية للصراع فهي توغل القوات الأجنبية اذ تمتلك روسيا عدد من القواعد مع الاتجاه لتقليصها وكذلك تمتلك تركيا مع توغل الكيان الصهيوني في المناطق المقاربة لشريط اتفاق عام 1974 بحجة حماية الطائفة الدرزية فضلاً عن اسهامه بتدمير القدرات العسكرية السورية بشكل كامل قبيل تغيير النظام.
التغيير
حصل التغيير عام 2024 بجهود داخلية في معظمها مع دعم دولي وانشغال أبرز داعمي بقاء النظام روسيا بحربها مع أوكرانيا لتوضع البلاد تحت فترة انتقالية امدها خمس سنوات وبدستور انتقالي يدعو الى حكم مكونات المجتمع كافة
نتيجة التغيير واتجاه
من الصعب التكهن باتجاه التغيير الاجتماعي السياسي في سوريا لا سيما وان البلاد ما زالت في المدة الانتقالية لكن يمكن القول ان تكلفة هذا التغيير كانت باهظة الثمن بسبب نظام تشبث بالسلطة متنقلاً في ملف إدارة التنوع المجتمعي ما بين أسلوب بوتقة الصهر المجتمعي وما بين الوسائل العنفية من قتل وتهجير وتغييب قسري وارتفعت كذلك تكلفة التغيير بسبب الانقسام الدولي ما بين داعم للنظام ومعارض له الا انه يمكن القول اعتقاداً وليس جزماً ان السيناريو الموضوع لسوريا هو ان تكون دولة ضعيفة لا تمتلك أي تأثير في مجريات الاحداث الدولية وتماشياً مع هذا السيناريو يمكن التنبؤ بأثر التغيير الاجتماعي السياسي بانه سلبي في النتيجة .
وفي ختام سلسلة المقالات التي بحثت في اتجاه التغيير الاجتماعي من ناحية الأثر سلبي ام إيجابي يبرز تساؤل مهم وهو لماذا لا يوجد تداول سلمي للسلطة في اغلب الدول العربية ولماذا لا يتعظ الحكام من تجارب التاريخ فهم يدفعون ببلادهم الى التشظي بسبب حبهم للسلطة واحتكار منافعها على فئة قليلة مقربة من النظام الحاكم مما يعني وجود ازمة توزيع حقيقة وهي من اهم أزمات التنمية السياسية بسببها أصبح عدداً من الدول العربية إثر بعد عين لا تملك أي تأثير على مجريات الأوضاع الدولية بل حتى الداخلية.


