مبادرة وطن .. حين تقود الإرادة السياسية الاستثمار نحو التنمية

مبادرة وطن .. حين تقود الإرادة السياسية الاستثمار نحو التنمية
تسعى مبادرة «وطن» لتوفير مليون قطعة أرض سكنية في العراق، عبر تنسيق حكومي وشراكات استثمارية لتطوير البنية التحتية. ويُنتظر أن تسهم في معالجة أزمة السكن وتنشيط الصناعات الإنشائية وتوسيع فرص العمل وتعزيز التنمية الاقتصادية...

لم تأتِ مبادرة وطن لتوزيع مليون قطعة أرض سكنية من فراغ ، ولم تكن مجرّد إعلان حكومي جديد يُضاف إلى قائمة المشاريع ، بل جاءت برؤية رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي ، الذي اختار أن يتولى قيادة هذا المشروع بنفسه ، واضعاً إياه في مقدمة أولويات العمل الحكومي ، ومستنفراً مؤسسات الدولة لإنجازه ..

ولعل ما يميز هذه المبادرة هو وجود قيادة سياسية مباشرة من رئيس الوزراء ، إلى جانب قيادة استثمارية مشهود لها بالنجاح ، تتولى تحويل الرؤية إلى خطط وآليات تنفيذية ، تتمثل برئيس الهيئة الوطنية للاستثمار المهندس عادل  الياسري ، الذي وضع ملف المبادرة في صدارة عمل الهيئة ، وتحرك مع كوادرها والجهات المعنية لإنجاز متطلباتها الفنية والاقتصادية والاستثمارية ..

ومن يتابع مسار العمل منذ إطلاق المبادرة يلحظ حجم الجهد الذي تبذله الهيئة الوطنية للاستثمار ، سواء على مستوى المركز أو من خلال كوادرها وتنسيقها مع الحكومات المحلية في المحافظات ، لإعداد التصاميم الأساسية ، وحسم الملفات العقارية ، وتهيئة الأراضي ، وإعداد النماذج الاقتصادية والتمويلية ، واستقطاب المستثمرين والمطورين العقاريين ..

وقد شهد هذا المسار خطوات عملية مهمة .. ففي 18 آب الماضي ترأس الياسري اجتماعاً موسعاً مع الوزارات والجهات المعنية لوضع الترتيبات التنفيذية ومتابعة إعداد التصاميم الأساسية والمنصة الإلكترونية الموحدة ، وحسم المتطلبات العقارية والفنية .. وفي 14 أيلول اعتمدت الهيئة محافظة كربلاء نقطة انطلاق أولى للمبادرة ، وأعلنت مقررات فنية واقتصادية تتعلق بنموذج التمويل والتطوير العقاري ، وتسهيل إجراءات مشاركة المؤسسات المالية والمطورين ، مع الانتقال تباعاً إلى المحافظات الأخرى المستكملة لمتطلباتها .. ولم يتوقف عمل الهيئة عند هذا الحد ، بل امتد إلى المحافظات ، حيث شهدت واسط في 21 تشرين الأول اجتماعاً مشتركاً مع الحكومة المحلية للاتفاق على إجراءات تنفيذية عاجلة لتسريع إطلاق المشروع ، فيما تواصلت التحركات في نينوى وميسان ومحافظات أخرى لاستكمال الترتيبات الاستثمارية والتعاقدية وتأمين مشاركة المستثمرين ..

أما على مستوى الإنجاز الكلي للمبادرة ، فقد أعلن اجتماع اللجنة العليا برئاسة رئيس الوزراء في 29 أيلول عن استكمال إجراءات تهيئة 275 ألف قطعة أرض سكنية ، موزعة على 121 مدينة في 15 محافظة ، تمهيداً لتطويرها وإيصال الخدمات الأساسية إليها، مع البدء بإجراءات التعاقد لتنفيذ البنى التحتية ..

إنّ هذه الأرقام والخطوات لا تعني أنّ المشروع قد اكتمل ، لكنها تكشف عن انتقاله من مرحلة الإعلان والتخطيط إلى مرحلة التحضير التنفيذي والتعاقدي ، وهو انتقال ما كان ليتحقق بهذا الزخم لولا المتابعة الحكومية المباشرة والجهد الذي تبذله الهيئة الوطنية للاستثمار وكوادرها ..

والأهمية الاقتصادية للمبادرة تتجاوز معالجة أزمة السكن ، فنحن أمام مشروع يمكن أن يحرك قطاع البناء والتشييد، ويعيد تشغيل المصانع العراقية المنتجة للإسمنت والحديد والطابوق والمواد الإنشائية، ويوسع نشاط شركات المقاولات والنقل والخدمات ، ويخلق فرص عمل واسعة للشباب ، فضلاً عن فتح مجالات جديدة أمام الاستثمار والتمويل العقاري ..

وهنا تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئة الوطنية للاستثمار ، فالمطلوب ليس مجرد استقطاب المستثمرين ، بل بناء شراكة اقتصادية حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص ، تضمن تنفيذ البنى التحتية ، وتحفظ حقوق المواطنين ، وتوفر بيئة استثمارية جاذبة ، وتحوّل الأراضي إلى أحياء سكنية متكاملة الخدمات ..

إن ما نشهده في مبادرة وطن يقدم نموذجاً للعمل الحكومي الذي تلتقي فيه الإرادة السياسية مع الإدارة الاستثمارية ، وتتكامل فيه جهود المؤسسات المركزية والمحلية لتحقيق هدف وطني كبير ..

تحية حب للزيدي الذي أطلق المبادرة ، وتحية تقدير للمهندس عادل الياسري ولكوادر الهيئة الوطنية للاستثمار في بغداد والمحافظات على ما يبذلونه من جهود ومتابعة ميدانية لإنجاح هذا المشروع ، وتحية للسادة في مكتب رئيس الوزراء ولكل المؤسسات والجهات التي تعمل على إنجاح هذا المشروع الكبير  بروح الفريق الواحد ..

إنّ مليون قطعة أرض ليست مجرد مليون فرصة للسكن ، بل يمكن أن تكون مليون نافذة لتحريك الاقتصاد العراقي ، وإعادة الاعتبار للإنتاج الوطني ، وتوسيع الاستثمار ، وخلق فرص العمل .. وهذه هي القيمة الحقيقية لمبادرة وطن التي تستحق أن تتضافر جهود الدولة والقطاع الخاص والإعلام لإنجاحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *