من التوافق السياسي إلى الاستراتيجية الوطنية الملزمة – ضمانة العراق لاستدامة المبادرة الأمنية والأقليمية

من التوافق السياسي إلى الاستراتيجية الوطنية الملزمة - ضمانة العراق لاستدامة المبادرة الأمنية والأقليمية
يتطلب نجاح المبادرة الأمنية الإقليمية العراقية تجاوز التوافقات السياسية إلى استراتيجية وطنية مؤسسية، تستند إلى الدستور، وتضمن استمرارية القرار السيادي، وتكامل المؤسسات، وفاعلية التعاون الإقليمي، وفق آليات تنفيذ ومساءلة تحول المبادئ المشتركة إلى أمن مستدام ومصالح ملموسة....

لم تعد المبادرات الأمنية الإقليمية في الشرق الأوسط مجرد خيارات دبلوماسية يمكن اللجوء إليها عند تصاعد الأزمات، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات المتسارعة، وتشابك المصالح الدولية، وتصاعد التنافس على النفوذ، وتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية بين دول المنطقة . وفي ظل هذه البيئة المعقدة، يبرز العراق بوصفه دولة تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، وعمقاً تاريخياً وحضارياً، وعلاقات متشابكة مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، الأمر الذي يمنحه فرصة حقيقية للمساهمة في بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الحوار، وتبادل المصالح، واحترام السيادة، ومنع انتقال الصراعات إلى أراضيه أو إلى أراضي جيرانه . غير أن نجاح أي مبادرة من هذا النوع يثير سؤالاً جوهرياً يتجاوز حدود التوافق السياسي المعلن .. هل يكفي الاتفاق على الثوابت الوطنية والمبادئ المشتركة لضمان نجاح المبادرة واستمرارها، أم أن العراق بحاجة إلى إطار مؤسسي واستراتيجية وطنية ملزمة تحمي توجهاته الخارجية من تقلبات الحكومات والتجاذبات السياسية ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين التوافق السياسي بوصفه نقطة انطلاق، والبناء المؤسسي بوصفه الضمانة التي تحول المبادئ إلى سياسات قابلة للتنفيذ والاستمرار . فالتوافق يمنح المبادرة شرعيتها الأولية، لكنه لا يكفي وحده لتأمين استدامتها، لأن الاتفاق على الأهداف العامة لا يعني بالضرورة الاتفاق على وسائل تحقيقها أو كيفية التعامل مع التحديات التي قد تواجهها . وقد تتفق الدول على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، لكنها تختلف عند التطبيق في تفسير المصالح الوطنية أو تقدير المخاطر أو تحديد حدود التعاون مع القوى الإقليمية والدولية . ومن هنا، فإن المبادرة الأمنية الناجحة لا ينبغي أن تبقى محصورة في إعلان النوايا أو اللقاءات السياسية، بل يجب أن تنتقل إلى مرحلة بناء القواعد المؤسسية والآليات التنفيذية التي تمنحها القدرة على مواجهة الأزمات والاستمرار رغم تغير الظروف .
ويمتلك العراق أساساً دستورياً يمكن الانطلاق منه في بناء هذه الرؤية، إذ تؤكد المادة الثامنة من الدستور مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والعمل على حل النزاعات بالوسائل السلمية، فيما تحدد المادة 110 الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، ومنها رسم السياسة الخارجية ووضع سياسة الأمن الوطني وتنفيذها . وبذلك، فإن أي مبادرة أمنية إقليمية ينبغي أن تستند إلى إطار دستوري واضح يحفظ وحدة القرار الوطني، ويضمن تكامل عمل المؤسسات، ويمنع تضارب الصلاحيات أو تحول الملفات الاستراتيجية إلى ساحات للتنافس السياسي الداخلي. فالثوابت الوطنية ليست مجرد عبارات تُدرج في البيانات الرسمية، وإنما قواعد ينبغي أن تنعكس على القرارات والمواقف والاتفاقيات والسياسات العملية .
وتبرز أهمية الاستراتيجية الوطنية الملزمة من حقيقة أن مصالح الدولة العليا أكثر استمرارية من الحكومات التي تتولى إدارتها . فالحكومات تتغير، والقيادات السياسية تتبدل، والتحالفات قد تتوسع أو تتراجع، لكن المصالح الأساسية للعراق في حماية سيادته واستقراره ووحدة أراضيه وتعزيز مكانته الإقليمية لا ينبغي أن تتغير بتغير موازين القوى الداخلية. وليس المقصود من الاستراتيجية الوطنية تقييد الحكومات أو منعها من تطوير سياستها الخارجية، بل توفير إطار مرجعي يحفظ الاتجاهات الكبرى للدولة، ويتيح في الوقت نفسه المرونة اللازمة للتعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية. فالثبات في المبادئ لا يعني الجمود في الوسائل، والاستمرارية لا تعني تجاهل المستجدات، وإنما تعني أن تتم مراجعة الخيارات من داخل رؤية وطنية واضحة، لا نتيجة الارتجال أو الضغوط الآنية أو الحسابات الحزبية الضيقة .
وفي هذا السياق، فإن وجود استراتيجية الأمن الوطني العراقي ( العراق أولاً ) للأعوام 2025–2030 يمثل أساساً يمكن البناء عليه لتعزيز الترابط بين الأمن الداخلي والسياسة الخارجية والمبادرات الإقليمية . والمطلوب ليس بالضرورة استحداث وثائق جديدة بمعزل عن الاستراتيجيات القائمة، بل ضمان ترجمة الأهداف المعلنة إلى خطط تنفيذية محددة، وربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات المعنية، ووضع آليات دورية لمراجعة النتائج وتحديد مواطن الخلل . فالاستراتيجية التي لا تتحول إلى برامج عمل تظل إطاراً نظرياً، مهما كانت صياغتها دقيقة أو أهدافها طموحة، بينما تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تصبح مرجعاً عملياً لصناعة القرار وتقييم الأداء الحكومي .

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إطار مؤسسي دائم يتولى التنسيق بين الجهات المختصة بالسياسة الخارجية والأمن الوطني والدفاع والاقتصاد، بالتعاون مع المؤسسات التشريعية والرقابية ضمن صلاحياتها الدستورية والقانونية . ويمكن لهذا الإطار أن يتولى تحديد الأولويات الاستراتيجية للمبادرة، وإعداد خطط التنفيذ، ومتابعة الالتزامات، وتقييم المخاطر، ورفع التقارير الدورية إلى الجهات المعنية، بما يضمن استمرار العمل المؤسسي حتى عند تغير المسؤولين أو الحكومات. كما يمكن أن يشكل ذاكرة وطنية تحفظ الخبرات المتراكمة والدروس المستفادة، وتمنع إعادة البدء من الصفر في كل مرحلة سياسية جديدة. فالدولة القوية ليست تلك التي تعتمد على حضور شخصياتها وحدها، بل التي تستطيع مؤسساتها مواصلة العمل وتحقيق الأهداف بصرف النظر عن تغير الأفراد .
ولا يعني هذا التوجه أن كل قرار في السياسة الخارجية يجب أن يخضع لإجماع سياسي شامل، أو أن تتحول المؤسسات إلى قيود تعطل التحرك الدبلوماسي . فالعلاقات الدولية تتطلب أحياناً سرعة في الاستجابة ومرونة في التفاوض وقدرة على اتخاذ قرارات ضمن مدد زمنية محددة . غير أن هذه المرونة ينبغي أن تتحرك داخل إطار وطني معلوم، يحفظ المصالح العليا ويحدد حدود الصلاحيات وآليات المساءلة . والمطلوب هو بناء توافق استراتيجي بين القوى السياسية على المبادئ الحاكمة للسياسة الخارجية، مع ترك التفاصيل التنفيذية للمؤسسات المختصة وفق القانون، وبما يمنع استخدام القضايا السيادية أداة للمساومة أو وسيلة لتصفية الخلافات الداخلية .
أما على المستوى الإقليمي، فإن العراق يستطيع أن يساهم في تحويل المبادرة الأمنية إلى مشروع عملي من خلال إنشاء آليات دائمة للتشاور مع الدول المشاركة، وتحديد مجالات التعاون بوضوح، ووضع قواعد لتبادل المعلومات ضمن الأطر القانونية، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات، وتطوير أمن الحدود والإنذار المبكر، وإيجاد قنوات لمعالجة الخلافات قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة. كما ينبغي أن تتضمن المبادرة آليات واضحة لمتابعة تنفيذ الالتزامات وتقييم النتائج، لأن نجاح التعاون لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات المشتركة، بل بمدى قدرته على خفض المخاطر وتحقيق نتائج ملموسة في الواقع الأمني والسياسي.
ومن الضروري كذلك ألا ينحصر مفهوم الأمن الإقليمي في الجانب العسكري أو الاستخباري، لأن الاستقرار يرتبط أيضاً بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وبأمن المياه والطاقة، وانسيابية التجارة، ومكافحة الفقر والبطالة، ومعالجة الظروف التي تساعد على انتشار التطرف والجريمة العابرة للحدود. فالتعاون الاقتصادي قادر على خلق مصالح مشتركة ترفع كلفة التصعيد وتمنح الدول حوافز إضافية لتسوية خلافاتها، لكنه لا يغني عن وجود ضمانات سياسية وقانونية تحمي هذه المصالح من التوظيف أو الابتزاز. ولهذا، فإن المبادرة الأكثر قابلية للاستمرار هي التي تجمع بين التنسيق الأمني والتعاون الاقتصادي والحوار السياسي، وتتعامل مع أسباب التوتر لا مع مظاهره وحدها .
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنظر إلى موقع العراق بين محيط عربي وإقليمي واسع وعلاقاته مع قوى دولية مؤثرة . فإدارة هذه العلاقات تتطلب سياسة متوازنة تحمي استقلال القرار الوطني، وتمنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الصراعات أو امتداد للتنافس بين المحاور. ولا يتحقق هذا التوازن بمجرد إعلان الحياد أو الامتناع عن اتخاذ المواقف، بل ببناء قدرة وطنية على تحديد المصالح، وتقدير المخاطر، والتفاوض من موقع واضح، وتطوير العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة . فالعراق يستطيع التعاون مع مختلف الأطراف عندما تلتقي المصالح، لكنه يحتاج في الوقت ذاته إلى قواعد واضحة تمنع استخدام أراضيه أو مؤسساته أو موارده للإضرار بأمنه أو تهديد أمن جيرانه .
إن استقلال القرار العراقي لا يعني الانغلاق عن العالم أو قطع العلاقات مع أي طرف، كما لا يعني الانحياز الدائم إلى محور على حساب آخر، بل يعني أن تكون المصلحة الوطنية هي المرجعية الأساسية في تحديد المواقف والالتزامات . ومن هنا، فإن المبادرة الأمنية الإقليمية يمكن أن توفر مساحة للحوار بين الدول وتخفف من منطق الاستقطاب، شريطة ألا تتحول إلى أداة لتوسيع نفوذ طرف على حساب آخر، وأن تقوم على مبدأ المساواة في السيادة، واحترام الالتزامات المتبادلة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية . كما يتطلب نجاحها وضع آليات لتسوية الخلافات، لأن الاختلاف في المصالح والتقديرات أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بينما تكمن المسؤولية في منع هذا الاختلاف من التحول إلى مواجهة تهدد الاستقرار المشترك .

ومع ذلك، فإن بناء استراتيجية مؤسسية لا يخلو من تحديات، في مقدمتها اختلاف رؤى القوى السياسية، واحتمال توظيف الملفات الخارجية في التنافس الداخلي، وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات، فضلاً عن الضغوط الإقليمية والدولية التي قد تسعى إلى التأثير في خيارات العراق . وقد تظهر أيضاً فجوة بين التخطيط والتنفيذ نتيجة ضعف التنسيق أو محدودية الموارد أو غياب التقييم المستمر . وتتطلب مواجهة هذه التحديات توافقاً وطنياً يستند إلى المصالح العليا، وتحديداً واضحاً للمسؤوليات، وتعزيزاً للرقابة القانونية والبرلمانية، وشفافية مناسبة في عرض أهداف المبادرة ونتائجها المتوقعة، مع الحفاظ على سرية المعلومات التي تقتضي طبيعتها ذلك .
كما ينبغي أن تتضمن الاستراتيجية آلية للمراجعة والتحديث تسمح بتعديل الوسائل عندما تتغير الظروف، من دون التخلي عن المبادئ الأساسية التي تستند إليها . فالاستراتيجية الفاعلة ليست وثيقة جامدة، بل منظومة تتعلم من التجربة، وتقيس نتائج قراراتها، وتعيد ترتيب أولوياتها بناءً على الأدلة والمستجدات . ومن الضروري أيضاً أن تحظى المبادرة بفهم ودعم مجتمعيين، لأن السياسة الخارجية التي لا يلمس المواطن صلتها بأمنه واستقراره ومصالحه الاقتصادية قد تبدو بعيدة عن أولوياته اليومية . ولذلك، فإن توضيح نتائج التعاون الإقليمي في حماية الحدود، وخفض المخاطر، وتوسيع فرص التجارة والاستثمار، وتعزيز الاستقرار، يساعد على ترسيخ الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة .
وفي المحصلة، فإن التوافق على الثوابت الوطنية يمثل شرطاً ضرورياً لنجاح المبادرة الأمنية الإقليمية، لكنه لا يكفي وحده لضمان استمرارها . فالتوافق يحدد الاتجاه، والاستراتيجية ترسم الأهداف، والمؤسسات تتولى التنفيذ، والقانون يمنح القرارات شرعيتها، والرقابة تضمن ارتباطها بالمصلحة العامة. ومن ثم، فإن المطلوب من العراق ليس الاختيار بين التوافق السياسي والبناء المؤسسي، بل الجمع بينهما ضمن رؤية وطنية متكاملة تجعل المبادرة مشروع دولة لا مشروع حكومة، وتمنح الشركاء الإقليميين والدوليين ثقة أكبر في استمرارية التزامات العراق .
إن العراق لا يحتاج إلى مبادرة تنجح في ظل حكومة ثم تتعثر مع حكومة أخرى، بل إلى مشروع وطني تتكامل فيه الإرادة السياسية مع التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ المؤسسي، وتصبح فيه السيادة واستقلال القرار والاستقرار الإقليمي ثوابت تحكم عمل الدولة عبر الزمن . فالدول لا تصون مصالحها بمجرد إعلان المبادئ، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المبادئ إلى مؤسسات وقواعد والتزامات قابلة للتطبيق والمراجعة والمساءلة . وفي نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح المبادرة الأمنية الإقليمية بعدد الدول التي تعلن تأييدها أو الاجتماعات التي تُعقد بشأنها، بل بقدرتها على منع الأزمات، وتقليص أسباب الصراع، وحماية سيادة الدول، وتحويل المصالح المشتركة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن . فالتوافق يفتح الطريق، والاستراتيجية تحدد المسار، والمؤسسات تضمن الاستمرار، أما الغاية النهائية فهي عراق آمن، مستقل القرار، متوازن العلاقات، قادر على الإسهام في بناء أمن إقليمي يحفظ مصالح شعوبه ويجعل السلام خياراً مستداماً لا هدنة مؤقتة بين الأزمات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *