لم يعد الصراع اليمني السعودي مجرد خلاف سياسي أو مواجهة عسكرية بين دولتين متجاورتين، بل تحول إلى أزمة إقليمية معقدة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والمصالح الاستراتيجية والتنافس على النفوذ، في ظل انقسامات داخلية يمنية أضعفت مؤسسات الدولة وأثقلت كاهل المجتمع بأزمات إنسانية واقتصادية متراكمة. وبين مخاوف المملكة العربية السعودية على أمنها وحدودها، وتطلعات اليمنيين إلى استعادة دولتهم وسيادتهم، يبقى السؤال الأهم
إلى متى سيظل اليمن ساحة للصراعات، ومتى تنتصر إرادة السلام على منطق الحرب ؟
تعود جذور المرحلة الراهنة من الصراع إلى سنوات من الاضطراب السياسي والانقسام الداخلي، وصولاً إلى سيطرة جماعة أنصار الله الحوثية على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، ثم تدخل التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية عام 2015 دعماً للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً . ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد مواجهات عسكرية واسعة لم تنجح في إنهاء النزاع، بل ساهمت في تعميق الانقسام وإضعاف مؤسسات الدولة وتوسيع دائرة المعاناة الإنسانية .
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الحل العسكري، مهما بلغت قوته، لا يكفي وحده لإنهاء صراع تتداخل فيه عوامل محلية وإقليمية ودولية . فالتقدم الميداني لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، كما أن إضعاف الخصم لا يضمن بناء دولة قادرة على إدارة شؤونها وحماية مواطنيها. وكلما طال أمد المواجهة، ازدادت كلفة الحرب على اليمنيين، وتزايدت المخاطر الأمنية على دول الجوار، وتراجعت فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة .
وتواجه اليمن اليوم تحديات تتجاوز المواجهة مع السعودية، وفي مقدمتها الانقسام السياسي والعسكري، وتعدد مراكز القرار، وتراجع الاقتصاد، وتدهور الخدمات الأساسية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، فضلاً عن الأعباء الإنسانية التي يتحملها ملايين المواطنين . كما تمثل الانقسامات الجنوبية والمناطقية والقبلية تحدياً إضافياً أمام بناء مشروع وطني جامع، لا سيما في ظل اختلاف الرؤى بشأن شكل الدولة ومستقبل الحكم وتوزيع السلطات والثروات .
إن أخطر ما يواجه اليمن ليس استمرار المعارك فحسب، بل احتمال تحول الانقسام المؤقت إلى واقع دائم، تتكرس فيه سلطات متنافسة ومصالح متعارضة، ويصبح المواطن ضحية لصراع لا يجد فيه فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبله . ولهذا، فإن استعادة الدولة تتطلب مشروعاً وطنياً يتجاوز الحسابات الضيقة، ويعيد الاعتبار للمواطنة والقانون والمؤسسات، ويمنح جميع المكونات السياسية والاجتماعية ضمانات عادلة للمشاركة في إدارة البلاد .
وفي المقابل، تنظر المملكة العربية السعودية إلى اليمن باعتباره عمقاً أمنياً وجغرافياً بالغ الأهمية، وترتبط مخاوفها بالموقع الحدودي، والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، واحتمالات تحول الأراضي اليمنية إلى مصدر تهديد لأمنها الوطني. ومن الطبيعي أن تسعى الدول إلى حماية حدودها ومواطنيها ومنشآتها، غير أن التجربة أثبتت أن الأمن المستدام لا يتحقق بالعمليات العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى معالجة جذور التهديدات، وإقامة علاقات مستقرة مع الجوار، ودعم قيام دولة يمنية قادرة على ضبط حدودها وقرارها الأمني .
ومن هنا، فإن المصلحة السعودية الحقيقية لا تنفصل عن استقرار اليمن، فاليمن المنهك والمنقسم لا يمثل ضمانة للأمن الإقليمي، بل يظل عرضة لتصاعد النزاعات وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية . أما اليمن المستقر، الذي يمتلك مؤسسات فاعلة واقتصاداً قابلاً للتعافي وعلاقات متوازنة مع جيرانه، فيمكن أن يتحول إلى شريك أساسي في حماية أمن المنطقة وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري .
ولا يمكن قراءة المشهد اليمني بمعزل عن الدور الإيراني والتنافس الإقليمي بين طهران والرياض. فقد أسهمت العلاقات الإيرانية مع الحوثيين في منح الصراع أبعاداً تتجاوز حدوده المحلية، وجعلت اليمن جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها الملفات الأمنية والسياسية والملاحية. ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة اليمنية في الصراع السعودي الإيراني وحده يُغفل مسؤولية الأطراف اليمنية عن الانقسام الداخلي، ويتجاهل المطالب الاجتماعية والسياسية التي ينبغي أن تكون أساس أي تسوية وطنية .
إن المطلوب من إيران وسائر القوى الإقليمية استخدام علاقاتها وتأثيرها لدعم التهدئة، لا لتوسيع ساحات المواجهة، كما أن المطلوب من السعودية وبقية الأطراف المؤثرة دعم حل سياسي يحترم سيادة اليمن وإرادة شعبه. فاليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ولا ينبغي أن يكون مستقبل أبنائه رهينة لتوازنات النفوذ الإقليمي .
ويكتسب هذا الصراع أهمية إضافية بسبب الموقع الاستراتيجي لليمن المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمثل ممراً حيوياً للتجارة العالمية وحركة الطاقة. إن أي تصعيد يهدد الملاحة البحرية لا تقتصر نتائجه على أطراف النزاع، بل قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. ولذلك، فإن حماية الممرات البحرية مسؤولية تتطلب احترام القانون الدولي، ومنع استهداف السفن المدنية، وتجنب تحويل المواقع الاستراتيجية إلى أدوات للضغط السياسي والعسكري .
وفي ظل هذه التعقيدات، تبرز الحاجة إلى مسار سياسي جاد يقوم على وقف شامل لإطلاق النار، واستئناف المفاوضات برعاية الأمم المتحدة، وإشراك المكونات اليمنية المؤثرة في حوار وطني حقيقي، بما فيها القوى الجنوبية، لضمان أن تكون التسوية معبرة عن تنوع المجتمع اليمني ومصالحه. كما ينبغي أن تترافق التسوية مع تفاهمات أمنية واضحة بين اليمن والسعودية، تتضمن احترام الحدود، ووقف الهجمات العابرة لها، ومنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد دول الجوار، وتوفير آليات موثوقة لتنفيذ الاتفاقات .
ولا يمكن تحقيق السلام من دون معالجة الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، وتسهيل وصول المساعدات، ودعم الخدمات الصحية والتعليمية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ووضع خطط واقعية لإعادة الإعمار. كذلك فإن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية ضمن إطار وطني وقانوني يمثل خطوة ضرورية لإنهاء تعدد مراكز القوة، شريطة أن يتم ذلك من خلال تفاهمات سياسية متدرجة تضمن عدم الإقصاء وتحفظ حقوق جميع المكونات.
إن مسؤولية المجتمع الدولي لا ينبغي أن تقتصر على إصدار بيانات القلق أو إدارة الأزمة عند كل تصعيد، بل يجب أن تتجه نحو دعم تسوية قابلة للاستمرار، وربط المساعدات وإعادة الإعمار بتعزيز مؤسسات الدولة وتحسين حياة المواطنين، مع ضمان عدم استخدام الملف الإنساني أداة للمساومة السياسية.
وفي المحصلة، فإن الصراع اليمني السعودي يقدم درساً واضحاً مفاده أن أمن الدول لا ينفصل عن استقرار جيرانها، وأن استمرار الحرب لا يصنع سلاماً دائماً، بل يراكم أسباب المواجهة ويزيد معاناة الشعوب. فالسعودية تحتاج إلى يمن مستقر لا يهدد أمنها، واليمن يحتاج إلى علاقات متوازنة مع جيرانه تحفظ سيادته وتمنحه فرصة إعادة بناء دولته، والمنطقة بأسرها تحتاج إلى تجاوز منطق المحاور والحروب بالوكالة نحو التعاون والحوار.
إن التحدي الحقيقي أمام اليمن اليوم هو استعادة قراره الوطني، وتوحيد مؤسساته، وبناء دولة تتسع لجميع أبنائه، فيما يتمثل التحدي أمام السعودية في تحويل الاعتبارات الأمنية إلى سياسة مستدامة تدعم الاستقرار والسلام . أما إيران وبقية القوى الإقليمية، فعليها أن تدرك أن استمرار الصراع لن يمنح المنطقة أمناً دائماً، وأن المكاسب المؤقتة لا تعادل خسائر الحروب الطويلة .
إن اليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة تستعيد هيبتها، وتحمي مواطنيها، وتصون سيادتها، وتفتح أبواب المستقبل أمام أجيال أنهكتها الحرب . فالانتصار الحقيقي ليس في إخضاع الشعوب أو فرض الإرادات بالقوة، بل في إنهاء الصراع، وصناعة السلام، وإعادة الإنسان إلى مركز الاهتمام . وحين تتقدم مصلحة الوطن على حسابات النفوذ، وتصبح كرامة المواطن أساس القرار السياسي، عندها فقط يمكن لليمن أن يغادر دائرة الحرب، وللمنطقة أن تقترب من أمن واستقرار طال انتظارهما .


