

تحمل ساحة الوثبة في بغداد دلالة تتجاوز كونها تقاطعاً مرورياً في شارع الرشيد؛ فهي شاهد على لحظة فارقة في الوعي السياسي العراقي، بدأت عام 1948 حين وقعت الحكومة العراقية معاهدة بورتسموث مع بريطانيا في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير. جاءت المعاهدة، التي عُرفت أيضاً بـ”معاهدة جبر – بيفن” نسبة إلى رئيس الوزراء صالح جبر ووزير الخارجية البريطاني إرنست بيفن، لتعيد ترتيب النفوذ البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية تحت ذريعة “الخروج” من العراق. غير أن بنودها كشفت حقيقة أخرى: احتفاظ بريطانيا بحق العودة إلى قواعدها الجوية (الحبانية والشعيبة)، واستخدام السكك والطرق والمواصلات، بل والانصياع لملاحظاتها في السياسة الخارجية. أدرك العراقيون حينها أن الاحتلال لا يقتصر على التواجد العسكري، بل قد يتخذ صوراً اقتصادية وسياسية وثقافية.
انتفض الشعب في ما عُرف بـ”وثبة كانون” (يناير 1948)، وخرجت مظاهرات واسعة في بغداد ومدن أخرى، سقط فيها شهداء من بينهم “فتاة الجسر” وجعفر الجواهري، شقيق الشاعر محمد مهدي الجواهري. اضطر الوصي عبدالإله إلى الاجتماع بـ25 شخصية سياسية وإصدار بيان بأن المعاهدة “لا تحقق أماني البلاد”، لكنها لم تُسقط رسمياً إلا بعد سقوط الملكية عام 1958. وهكذا تحولت الساحة التي كانت تحمل اسم “ساحة الوصي” إلى “ساحة الوثبة”، تخليداً لانتفاضة رفضت التبعية.
بعد عقود، وبعد الغزو الأمريكي عام 2003، تكرر النمط نفسه بصيغة مختلفة. وقعت بغداد وواشنطن اتفاقية الإطار الاستراتيجي (SOFA) عام 2008، التي نصت صراحة على انسحاب “جميع قوات الولايات المتحدة من جميع الأراضي العراقية في موعد لا يتعدى 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2011”. ورغم اكتمال الانسحاب العسكري في الموعد المحدد، لم ينتهِ النفوذ. فقد احتفظت واشنطن بأكبر سفارة في العالم من حيث العدد والعدة، وتجاوز موظفوها الثلاثة آلاف، يمارسون أدواراً لا تخلو من التدخل في الشؤون الداخلية. والأهم من ذلك، ظل النفوذ الاقتصادي هو الأداة الأكثر فاعلية: فالعائدات النفطية العراقية، التي تشكل نحو 90% من ميزانية الدولة، تُودع مباشرة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مما يمنح واشنطن نفوذاً سياسياً واسعاً. وحتى بعد إعلان إنهاء الوجود العسكري في أيلول/سبتمبر 2026، سارعت واشنطن إلى تعويض الغياب العسكري بأدوات اقتصادية ودبلوماسية، عبر مبعوثين رفيعي المستوى ينسقون في ملفات الطاقة والمال والأمن.
وهكذا، فإن ساحة الوثبة ليست مجرد ذكرى جامدة. لقد كانت شاهدة على انتفاضات متتالية منذ 1948، وظلت في السنوات العشر الأخيرة مسرحاً لمظاهرات واحتجاجات. وبقدر ما يظل الشعب العراقي واعياً لمؤامرات الغرب وألاعيبه، فإن الساحة تظل حية في الوجدان، تذكّر بأن الاحتلال قد يغيّر ثوبه، لكن الوعي الشعبي هو الحصن الذي يحوّل كل معاهدة تبعية إلى وثبة جديدة.


