تبدأ مشكلة الدور العراقي حين تختزل مهمة بغداد في تقريب المواقف بين أطراف يحدد غيرها قواعد الصراع. فالعراق الذي دفع كلفة الاحتلال والاضطراب الإقليمي يملك مصلحة في تغيير هذه القواعد، وفي بناء أمن تتولى دول المنطقة تقريره. وتمنحه علاقته بإيران فرصة للتحرك في هذا الاتجاه، إذا امتلك مشروعا واضحا، وعالج القيود التي ما زالت تكبل قراره في الداخل. ويتوقف هذا الانتقال على قدرة بغداد على تحديد ما تريده من الحوار، والدفاع عنه، وربط علاقاتها الخارجية بمشروع يستعيد للعراق موقعه في تقرير شؤون المنطقة.
يتقدم سؤال التهديد على أي بحث في الترتيبات الأمنية. فالمنطقة التي تعرضت للحروب والتدخلات الأميركية مطالبة، وفق الرؤية الأميركية، باعتبار ايران مصدر الخطر، والتعامل مع القواعد الأجنبية باعتبارها ضمانة للاستقرار. وبقبول هذه الفرضية، تصبح مهمة الحوار التفاوض على حدود القوة الإيرانية، فيما تبقى القوة الأميركية فوق النقاش. وهنا تقع مسؤولية بغداد في الاعتراض على أصل المعادلة.
فالتجربة العراقية تمنح هذا الاعتراض أساسا يتجاوز الخلاف السياسي مع واشنطن. لقد اختبر العراق نتائج خضوع مصيره للاحتلال، وما ترتب عليه من تفكيك للمؤسسات واضطراب طويل. ومن موقع هذه التجربة، يستطيع أن يدفع نحو تصور للأمن يقوم على قدرة دول المنطقة على حماية نفسها، ورفض الاعتداء عليها، وتحرير علاقاتها من الإكراه الخارجي.
وتخطئ بغداد حين تبحث عن دور إقليمي عبر تخفيف صلتها بطهران طلبا للقبول الأميركي. فهذا الطريق يمنح واشنطن سلطة تحديد علاقات العراق وحدود حركته بينما تفتح الشراكة مع إيران أمامه مجالا للمساهمة في بناء تفاهم ينطلق من مصالح المنطقة. وإيران، بما تملكه من موقع وقدرة، طرف أصيل في إنتاج أمنها، ومحاولات عزلها تدفع المنطقة إلى مزيد من الارتهان للحماية الأميركية. فكل ترتيب يستبعد طهران أو يسعى إلى محاصرتها يزيد اعتماد المنطقة على الخارج، ويضع العراق تحت ضغط الاختيار بين مصالحه مع جاره ومتطلبات السياسة الأميركية.
ومن هذا الموقع يصبح الانفتاح العراقي على الخليج جزءا من مشروع له وجهة واضحة. فالخلافات بين دول المنطقة قابلة للتفاوض، ومصالحها في استقرار الحدود وحماية التجارة والطاقة تتيح بناء اتفاقات عملية. لكن استمرار الوجود العسكري الأميركي، وما يمنحه لواشنطن من قدرة على التدخل وفرض الخيارات، يعطل تشكل إرادة إقليمية مستقلة. ولذلك يجب أن يقترن الحوار بمسار ينهي هذه الوصاية، ويعيد مسؤولية الأمن إلى دول المنطقة. فالتفاهم الذي يصنعه الجيران بأنفسهم يمنحهم قدرة على معالجة الخلاف قبل تحوله إلى أزمة مفتوحة.
تتقدم بغداد نحو دور مختلف حين تضع إنهاء الهيمنة الأميركية في صلب الحوار الإقليمي. فمن مصلحة العراق أن يتفق جيرانه على حماية حدودهم ومنشآتهم. وتمنحه شراكته مع إيران موقعا للدفع بهذا الاتجاه، وبناء تفاهم يحرر العلاقة بين الخليج وطهران من التدخل الأميركي. ويبدأ وزن العراق حين يربط هذا المشروع باستعادة قدرته على حماية قراره. وتقتضي هذه الوجهة أن تبادر بغداد إلى صياغة المقترحات، وأن تربط الملفات التي يتفاوض عليها الجيران بمصالح عراقية محددة، حتى يكون لها أثر في النتائج التي تخرج بها الاجتماعات.
وتكمن صعوبة المهمة في أن واشنطن تركت نفوذها داخل بنية الدولة أيضا. فقد أعاد الاحتلال تشكيل المؤسسات والقواعد التي تحكم الاقتصاد وإدارة الموارد، وسط تفكيك واسع لأجهزة الدولة وانهيار الرقابة. وفي هذا المناخ اتسع الفساد، ونمت مصالح عراقية وجدت في ضعف المؤسسات وسيلة لحماية مكاسبها. لذلك تواجه بغداد، في سعيها إلى الاستقلال، قوى داخلية يستمر نفوذها باستمرار الخلل الذي خلفه الاحتلال.
ومن هنا تكتسب مراجعة قوانين بريمر والتشريعات والأنظمة التي نشأت في تلك المرحلة معناها السياسي. فهذه المراجعة تفتح السؤال عن كيفية إدارة العراق، وعن الجهات التي تستفيد من بقاء اقتصاده ومؤسساته على حالهما. وتقع على السلطات العراقية مسؤولية تحديد ما بقي نافذا من تلك النصوص، وتغييره عبر المؤسسات الدستورية حيث يقيد مصالح البلد. وقد أصبح استمرار الخلل، بعد هذه السنوات، مسؤولية من يملك صلاحية معالجته ويحجم عنها. وتبدأ جدية المراجعة بإعلان ما يراد تغييره وأسباب تغييره، وربط العمل التشريعي بأثره في حياة العراقيين وقدرة دولتهم، حتى يتحول الاعتراض على إرث الاحتلال إلى إجراءات يمكن متابعتها ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتكشف عائدات النفط حجم الرهان. فأموال العراق تودع في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وتمنح ترتيبات الوصول إليها وإلى الدولار واشنطن منفذا للضغط على بغداد. وهكذا تمتد العلاقة المالية إلى قدرة العراق على اتخاذ موقف سياسي وتحمل تبعاته. واستعادة حرية التصرف بهذه الإيرادات تحتاج إلى بدائل مصرفية تحمي التجارة والمدفوعات، وإلى رقابة تمنع انتقال المال من قبضة الضغط الخارجي إلى شبكات الفساد الداخلي. ففي هذه الملفات يتقرر مقدار القوة التي تستطيع بغداد أن تحملها إلى أي تفاوض على مستقبل المنطقة.
وتبدأ الخطوة العملية بطرح عراقي لمبادئ أمن إقليمي مستقل، وفتح مسار دائم مع إيران ودول الخليج، يتابع الاتفاقات ويحتوي الحوادث، ويربط خفض التوتر بإنهاء الوصاية العسكرية الأجنبية. ويتقدم إصلاح الداخل بالتوازي مع هذا المسار، لأن تأجيل أحدهما يضعف الآخر. ويمنح البدء بملفات قابلة للإنجاز الأطراف فرصة لاختبار قدرتها على العمل المشترك، وبناء مصالح تساعدها على مقاومة الضغوط التي تستهدف إفشال التقارب، وتثبيت الحوار بوصفه خيارا مستمرا.
يملك العراق فرصة إحداث تحول في المنطقة إذا ثبت وجهة دوره، واستند إلى شراكته مع إيران، وعالج ما يقيد دولته وموارده. فقوة بغداد تنمو بقدرتها على جمع دول المنطقة حول مصالح تتولى حمايتها بنفسها. وعندها تصبح شريكا في وضع قواعد الأمن، وقوة تدفع نحو إنهاء الظروف التي جعلت أرضها ميدانا لصراعات الآخرين.


