العراق من ساحة للصراع إلى شريك في صناعة الأمن الإقليمي

العراق من ساحة للصراع إلى شريك في صناعة الأمن الإقليمي
يمتلك العراق مقومات للانتقال من ساحة تنافس إلى شريك في صياغة الأمن الإقليمي، لكن نجاحه يتطلب استقلال القرار، وتوحيد المرجعية الأمنية، وتنويع الشراكات، وتحويل المبادرات الدبلوماسية إلى آليات مستدامة تحمي السيادة وتمنع الصراعات...

لم يعد التحدي أمام العراق مقتصراً على تجنب الصراعات الإقليمية، بل أصبح يتمثل في الانتقال من دولة تتأثر بتوازنات القوى إلى دولة تساهم في صياغة قواعد الأمن والاستقرار في المنطقة.

يمتلك العراق مقومات تؤهله لهذا الدور، أبرزها موقعه الجغرافي، وعلاقاته المتشعبة مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، فضلاً عن ثقله السياسي والاقتصادي. وقد وفرت تحركات بغداد الدبلوماسية، ولا سيما جهود الحوار الإقليمي، فرصة لتعزيز موقعها بوصفها حلقة وصل بين أطراف متنافسة.

لكن استضافة الاجتماعات وإطلاق المبادرات لا يكفيان لتحويل العراق إلى فاعل إقليمي مؤثر. فالمشكلة الأساسية تكمن في التناقض بين طموح بغداد إلى لعب دور الوسيط وبين استمرار اعتمادها على أطراف خارجية في مجالات حيوية، مثل التسليح والتكنولوجيا والطاقة، فضلاً عن تأثير التنافس الإقليمي في قرارها السياسي والأمني.

إن العراق الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين إيران ودول الخليج يحتاج أولاً إلى تعزيز استقلال قراره الوطني، وتوحيد مرجعية القرار الأمني، ومنع استخدام أراضيه منصة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالمصداقية في الوساطة تبدأ من قدرة الدولة على إدارة شؤونها الداخلية وحماية سيادتها.

ولا يعني تحقيق الاستقلال قطع العلاقات مع القوى الدولية والإقليمية، بل إعادة تنظيمها على أساس المصالح المتبادلة، وتنويع الشراكات، وتقليل الاعتماد الذي قد يتحول إلى أداة ضغط على القرار العراقي.

وللانتقال من الوساطة المؤقتة إلى المشاركة في صناعة الأمن الإقليمي، يحتاج العراق إلى تحويل مبادرات الحوار إلى آليات مستدامة للتعاون، تشمل عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وإدارة الأزمات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.

الخلاصة أن العراق يمتلك مقومات الدور الإقليمي، لكنه لم يحوّلها بالكامل إلى قدرة استراتيجية مستقلة.فالمعيار الحقيقي لنجاح دبلوماسيته ليس عدد الاجتماعات التي يستضيفها، بل قدرته على التأثير في نتائجها، وضمان مصالحه، والمساهمة في منع الصراعات.

إن انتقال العراق من ساحة لتنافس القوى إلى شريك في صياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية يبدأ من الداخل،بقرار وطني مستقل، ومؤسسات قوية، وعلاقات خارجية متوازنة. عندها لن يكون العراق مجرد وسيط بين الآخرين، بل طرفاً فاعلاً في رسم مستقبل أمن المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *