بين ان نكون أو لا نكون

بين ان نكون أو لا نكون ..
يصور النص المرحلة الراهنة مواجهةً بين المقاومة والخضوع للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ويدعو إلى الثبات ورفض الخوف والتنازل. ويستحضر شهادة الإمام الحسين في كربلاء نموذجاً للكرامة والتضحية، مؤكداً المسؤولية الأخلاقية والدينية عن المواقف والاختيارات....

لا يختلف إثنان من ذوي العقل والبصيرة إننا نعيش في مرحلة حاسمة بمواجهة المخطط الإستعماري الكبير وخضوع دول وشعوب المنطقة الى الإرادة الصهيوامريكية في أجندة تقسيم المقسّم لما بعد سايكس بيكو بعدما اكتملت جوقة العملاء المأجورين على رأس انظمة الحكم من أشباه الرجال بين ملك وشيخ وأمير ورئيس وسلطان وزعيم فكشّر الأشرار عن انيابهم بالحرب والعدوان على معاقل الشرف والكبرياء والمقاومة حيثما كانت في إيران ولبنان وغّزة وصنعاء والعراق . نحن اليوم بين خيارين لا ثالث لهما .

بين من يطرق الخوف أبواب القرار عنده فيضطرب الميزان في القلوب وتتلون المواقف . بين أن نعبر إلى عز وكرامة أو نرتضي ذلا وهوانا واستصغار . ليس السؤال سؤال حياة أو موت فقط بل سؤال مصير ما بين أن نكون أو لا نكون  , ما بين أن نقف ثابتين في وجه الطغيان أو ننسحب جبناء في ظلال الإهانة  , وما بين أن نكتب في صفحات التاريخ المجيد بسنى من نور أو نُلقى في حفرة النسيان بأحرف من حسرات . إن فريقا من المترددين الجبناء الخائفين يلتبس عليهم الحق بالسكوت وتُغريهم السلامة الزائفة فيرتضون الذل والإهانة والاستصغار . يظنون أن التنازل طريق إلى نجاة فإذا هو طريق إلى هاوية وأن الصمت ستر فإذا هو فضيحة وأن الخوف درع فإذا هو عبودية وإذلال .

يعتادون المهانة حتى تصير لهم بديهة ويتجرعون المرارة حتى تغدو لهم عادة مُسلَّمة . فإذا جاء وقت المواقف تراجعوا عن كلمة الحق حتى صار الرجوع قدرا لا اختيارا وانقلب الحذر جبنا والاعتذار خوفا والسكوت ندم . كم من هؤلاء عاشوا على وعد مؤجل ثم انقضى الوعد كما ينقضي الظل عند طلوع الفجر . فمآل كل إنسان مهما كان ومهما طال به الأمد الموت والدفن في حفرة صغيرة ضيقة على اتساع العمر صامتة على فصاحة اللسان . هناك لا تنفع التبريرات ولا تجدي المساومات ولا تغني الشجاعة المؤجلة ولا ترفع الرايات المعلقة .

يكون الحساب عند رب عظيم لا تغيب عنه صغيرة ولا كبيرة , إله يزن النيات ويحصي الخطوات ويقرأ ما انطوت عليه الضمائر قبل أن تقوله الألسنة . أما في الطرف الآخر فنحن مع الصابرين الثابتين الواقفين بعزة وكبرياء، الذين لا تفت في عضدهم صولة الطغاة ولا تُلينهم شوكة المتكبرين . هؤلاء لا يساومون على الحق ولا يبيعون الكرامة بكفوف الخوف .  يواجهون الطواغيت بقلوب لا ترتجف ويثبتون في الميدان على يقين لا يتبدد . وإذا اشتدت السنين واشتعلت الفتن لم يزدهم ذلك إلا رسوخا وإذا استبدت القوة لم تحصد منهم إلا الثبات .

إنهم حين يمضون إلى مواجهة الباطل لا يخرجون من الدنيا طلبا للموت بل يطلبون حياة الضمير . فيكون استشهادهم معنى لا عبث فيه ودلالة تسموا الى القداسة ودربهم شهادة سامية لا خداع . وحين يكتب لهم الله ما شاء لا يكون موتهم نهاية بل سجل سافر في صفحات التاريخ المجيد فيكون الغياب عن الأعين حضور في عرش القلوب والرحيل فجر خالد . فلم يكن موتهم حين تأتي منيتهم شهداء في عليين إلا وكأنها ساعة ولادتهم السرمدية الى يوم يبعثون يشرقون هناك حيث لا ظلمة ويستقرون في مقام تتسامى فيه الرتب ولنا في سيد الشهداء في كربلاء الإمام الحسين عليه السلام خير مصداق ودليل حيث التقت كلمة الحق بصيحة لا المدوية بوجه الباطل . هناك قيلت الشهادة بلسان لا يلين وحُسمت البطولة بإرادة لا تنكسر .

وقد سار على نهج أبي الأحرار مع اختلاف الأزمنة والأمكنة كل من آمن بأن الكرامة لا تُقاس بعدد المناصرين بل بصدق المبدأ وصلابة الموقف  .  فلنسأل ضمائرنا قبل أن يسألنا الغد عن أي طريق نختار ؟  طريق المترددين الذين يرتضون الذل والإحتقار ثم يوارون في حفرة صغيرة هي نهاية الجميع أم طريق الصابرين الثابتين الذين يبيعون الحياة بثمن العزة فيكون لهم سجلٌ في التاريخ لا يطمس وذكرٌ لا ينسى وخلودٌ لا ينقطع ؟ ما بين أن نكون أو لا نكون هو اختيار قبل أن يكون قرار .  فإن كنّا اليوم قادرين على كلمة حق فلنقلها وإن كنّا اليوم نستطيع على موقف صدق فلنثبت عليه .  فالموت واحد في شكله والحساب واحد في عدله لكن النهايات تختلف باختلاف ما نزرعه في القلوب ذلٌّ يجر إلى خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة أو عزّ يرفع إلى عليين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *