ينفع هذا المقال في تصور جزء مهم غير ملتفت له كثيرًا فيما حققه السابع من أكتوبر
قبل السابع من أكتوبر كانت العقيدة الإسرائيلية– من ناحية سياسية وعسكرية وأمنية وليس من ناحية دينية- تركز على مبادئ ما يسمى بمثلث بن غوريون (الردع، الإنذار المبكر، والحسم السريع) حيث تركز إسرائيل على منع الخصوم من الهجوم وكشف النوايا والتحركات قبل وقوعها ونقل المعركة إلى ساحة العدو بمعارك قصيرة الأجل وتجنب حروب الاستنزاف الطويلة.
بالإضافة لمثل بن غوريون هناك مبادئ أخرى وهي:
#نظرية جز العشب: وتتخلص في شن حملات عسكرية دورية ومحدودة لإضعاف القدرات العسكرية للفصائل وتعزيز الردع دون الدخول في حرب شاملة.
#مفهوم الاحتواء: وخلاصته التعامل مع التهديدات عبر التهديدات والتهدئة والمناورات السياسية.
#نظرية الجيش الصغير الذكي: الاعتماد على التفوق التكنولوجي والاستخبارات المتقدمة وجيش نظامي صغير.
#عقيدة الجدران الحصينة: وخلاصته الاعتماد على الأسوار الذكية-كما كما في السور حول غزة- والرادارات وأنظمة الدفاع الجوي.
وبعد السابع من أكتوبر وما تلاه انتهى كل ذلك بنسبة كبيرة ولذا بدأ التحول تجاه عقيدة أخرى وخلاصتها:
1- الانتقال من “الاحتواء” إلى “الإخضاع والتدمير الكامل”: تخلت إسرائيل عن منطق إدارة النزاع أو احتوائه، وتبنت هدف التدمير الشامل لقدرات حماس العسكرية وسلطتها في غزة، ونزع سلاح حزب الله، واستهداف النفوذ الإيراني بشكل مباشر.
2- سقوط “عقيدة الجدران” وولادة “الاحتلال الوقائي”: أدركت القيادة الأمنية أن الاعتماد على الدفاعات التقنية والأسوار وحدها لم يعد كافياً، فتحولت العقيدة إلى التقدم المباشر نحو “الخارج” واحتلال أراضي الجوار أو فرض مناطق عازلة وتفكيك البيئة المعادية بالقوة العسكرية الغاشمة.
3- التحول إلى “حروب الاستنزاف الطويلة”: بعد أن كانت العقيدة ترفض تماماً حروب الاستنزاف الطويلة لعدم تحمل الجبهة الداخلية والاقتصاد لذلك، باتت إسرائيل تخوض مواجهات طويلة ومتعددة الجبهات (غزة، لبنان، جبهات إقليمية أخرى).
4- تنامي دور “الحرب السيبرانية والتكنولوجية الهجومية”: تصاعد الاعتماد على الضربات السيبرانية واستهداف البنى التحتية ووسائل الاتصال عن بُعد (كما حدث في العمليات ضد لبنان) كأداة مركزية لكسر إرادة الخصم بالتوازي مع العمل العسكري الكلاسيكي.
5- السعي نحو “السلام العبري” (Pax Hebraica): تهدف الرؤية الاستراتيجية الجديدة بحسب بعض التحليلات إلى فرض نظام إقليمي تهيمن عليه إسرائيل مطلقاً، وإعادة هندسة المنطقة أمنياً بشروطها الخاصة.
وأكد نتنياهو في خطابه الأخير ذلك وأضاف له:
1- الانتقال من سياسة الاحتواء والدفاع إلى المنع والهجوم.
2- اعتماد الضربات الاستباقية.
3- منع التهديد النووي.
4- تعزيز الردع والاستعداد للحرب وتعزيز الاستقلال التسليحي.
5- نقل المواجهة الإعلامية إلى الساحة الدولية عبر توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي.
وهذه العقيدة الجديدة ليست محل قبول تام في الداخل الإسرائيلي بل هي محل نقد ومعارضة وسخرية وجرى التعبير عنها من خصوم نتنياهو على إنها برنامج انتخابي أكثر منها عقيدة.
الخلاصة إن تغيير العقيدة والجدل بشأنها من انتصارات السابع من أكتوبر من جهة وينبغي النظر لها لفهم مواقف إسرائيل في ظل حكومة نتنياهو وربما بعدها وليس النظر للمواقف وتقييمها من خلال العقيدة السابقة التي قضى عليها السابع من أكتوبر.


