كيف يتحول بلد غني بالنفط إلى اقتصاد يعجز عن توفير فرص العمل، ودولة تملك موارد ضخمة إلى مؤسسات تتعثر في تحويل الثروة إلى تنمية؟ لا تكمن المفارقة العراقية في نقص الإمكانات، بل في اختلال العلاقة بين المال العام والسلطة. ومن هنا، تصبح المحاصصة أكثر من صيغة لتشكيل الحكومات؛ إنها مدخل لمساءلة طريقة إدارة الدولة ومواردها، فيما تبرز إعادة قراءة كتاب «اقتصادنا» لمحمد باقر الصدر بوصفها فرصة لاستعادة سؤال جوهري: لمن تُدار الثروة، وما الغاية التي ينبغي أن تخدمها؟
لم يطرح الصدر الاقتصاد باعتباره حسابات إنتاج وتوزيع فحسب، بل باعتباره منظومة تحكمها تصورات عن الملكية والحرية والعدالة الاجتماعية. وفي نقده للرأسمالية والماركسية، بلور تصوراً لا يختزل النشاط الاقتصادي في حرية السوق المطلقة، ولا يجعل الملكية العامة قاعدة وحيدة، بل يقوم على تعدد أشكال الملكية، والحرية الاقتصادية ضمن ضوابط، والعدالة الاجتماعية. وتكمن أهمية هذه المرتكزات اليوم في أنها تنقل النقاش من حجم الثروة إلى القواعد التي تحكم إدارتها وتوزيع منافعها.
في العراق، تتيح هذه الأسئلة قراءة المحاصصة من زاوية تتجاوز الصراع على المناصب. فعندما تنعكس التفاهمات السياسية على التعيينات والعقود والمشروعات، تتراجع الكفاءة والمصلحة العامة أمام حسابات النفوذ. والمشكلة هنا ليست أن كل قرار حكومي محكوم بالضرورة بالمحاصصة، بل أن تتحول المؤسسات إلى ساحات لتثبيت التوازنات السياسية، بدلاً من أن تكون أدوات لتنفيذ سياسة عامة تخضع للمساءلة. عندئذٍ يصبح الوصول إلى السلطة وسيلة للتأثير في توزيع الموارد، لا مسؤولية عن حمايتها واستثمارها.
ومن هذا المنطلق، يكتسب مفهوم الملكية والمسؤولية في فكر الصدر دلالة تتصل مباشرة بالمال العام. فالثروة النفطية ليست امتيازاً للحكومة التي تديرها، ولا مورداً يجوز استنزافه لمصلحة شبكات النفوذ؛ إنها ثروة عامة تترتب عليها مسؤولية تجاه المجتمع والأجيال المقبلة. وترجمة هذه المسؤولية لا تتحقق بالشعارات، بل بقواعد مؤسسية واضحة: شفافية العقود والإنفاق، وتدقيق مستقل للمشروعات، وكشف تضارب المصالح، ومحاسبة المسؤولين على نتائج قابلة للقياس. فالقيمة الأخلاقية لا تصبح سياسة عامة ما لم تتحول إلى إجراءات قابلة للتطبيق والرقابة.
وتكشف مسألة العدالة بدورها عن الفارق بين التمثيل السياسي والإنصاف الاقتصادي. فتقاسم المواقع بين المكونات لا يضمن وحده تكافؤ المواطنين في فرص العمل والخدمات، كما أن حماية التوازنات السياسية لا تعني بالضرورة حماية حقوق المجتمع. وحين تتوقف الفرص على الوساطة والانتماء، تتراجع المواطنة أمام شبكات المصالح. لذلك لا يكون البديل بإقصاء مكون أو استبدال احتكار بآخر، بل بإرساء قواعد تضمن الحقوق وفق القانون، وتتيح الوصول إلى الوظائف والخدمات والفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق والحاجة.
غير أن إصلاح التوزيع وحده لا يكفي ما دام الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات النفط والإنفاق الحكومي. فهذه البنية تجعل الدولة المصدر الأهم للوظائف والعقود والفرص، وتمنح السيطرة على مؤسساتها قيمة سياسية واقتصادية استثنائية. ومن هنا، يصبح تنويع الاقتصاد ضرورة تتجاوز النمو: تطوير الزراعة والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية، وتسهيل نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم والتدريب بحاجات سوق العمل. وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج والعمل خارج القطاع العام، تراجعت مركزية الدولة بوصفها الموزع الأكبر للفرص، واتسع المجال أمام المبادرة الاقتصادية المستقلة.
وفي هذا السياق، يساعد تصور الصدر لتعدد أشكال الملكية على تجاوز ثنائية مضللة بين دولة تحتكر الاقتصاد وسوق تُترك بلا ضوابط. فلا الخصخصة العشوائية إصلاح إذا نقلت الاحتكار من المؤسسات العامة إلى أطراف نافذة، ولا الإبقاء على مؤسسات متعثرة فضيلة لمجرد أنها مملوكة للدولة. المطلوب إصلاح ما يمكن إصلاحه، وإعادة هيكلة ما يتعثر، وفتح المجال أمام قطاع خاص منتج يعمل في ظل المنافسة العادلة والرقابة الفاعلة، مع حماية القطاعات الاستراتيجية والمصلحة العامة. فالدولة القوية ليست التي تحتكر الفرص، بل التي تضع القواعد وتضمن تطبيقها على الجميع.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين أفكار «اقتصادنا» وتطبيقاتها المعاصرة. فالكتاب لم يقدم برنامجاً تفصيلياً لمعالجة المحاصصة بصيغتها العراقية الراهنة، والربط بينه وبين الأزمة الحالية اجتهاد تحليلي يحتاج إلى أدوات قانونية واقتصادية ومؤسسية حديثة. كما أن المحاصصة نتاج تاريخ سياسي وتوازنات اجتماعية لا يمكن تفسيرها بالعامل الاقتصادي وحده. لكن هذه التحفظات لا تقلل من قيمة استعادة أسئلة الصدر؛ بل تحميها من التوظيف السياسي، وتتيح تحويلها إلى معايير نقدية لمساءلة الواقع بدلاً من استخدامها غطاءً لتبريره.
إن أهمية إعادة قراءة محمد باقر الصدر لا تكمن في استدعاء اسمه لإضفاء الشرعية على مشروع بعينه، بل في اختبار السياسات العراقية على ضوء أسئلة الملكية والعدالة والمسؤولية: هل تحمي الدولة الثروة العامة أم تسمح باستنزافها؟ هل تفتح الاقتصاد أمام الإنتاج والمبادرة أم تجعل النفوذ بوابة للفرص؟ وهل تقاس شرعية الإدارة بما توزعه من مواقع، أم بما تحققه للمجتمع من تنمية وحقوق؟
قد يكون أحد مداخل خلاص العراق الاقتصادي في إعادة قراءة الصدر، شرط ألا تتحول القراءة إلى بديل عن الإصلاح. فالثروة ينبغي أن تكون مسؤولية عامة، والعدالة حقاً مؤسسياً لا حصة سياسية، والدولة أداة لخدمة المجتمع لا غنيمة تتقاسمها القوى. عندها يصبح سؤال «دولة أم غنيمة؟» معياراً للحكم على مستقبل العراق: هل تُستخدم السلطة لإعادة توزيع النفوذ، أم لبناء اقتصاد منتج يحوّل الثروة إلى فرص وكرامة ومستقبل؟


