داعش بعد التحرير.. امتحان الدولة المستمر

داعش بعد التحرير.. امتحان الدولة المستمر
لم تنهِ هزيمة داعش عسكرياً خطره بالكامل، إذ تواصل خلاياه استغلال الجغرافيا والحدود والثغرات الاجتماعية. ويحتاج تثبيت النصر إلى أمن واستخبارات فعالة، وضبط الحدود، وإعمار المناطق المحررة، وتعزيز القانون والثقة لمنع التنظيم من استعادة قدرته...

كلما أعلنت القوات الأمنية العراقية عن عملية جديدة تستهدف فلول تنظيم داعش، يعود سؤال يستحق التوقف عنده: كيف يستمر التهديد بعد نحو تسع سنوات على إعلان تحرير العراق من التنظيم؟ وهل تكفي الهزيمة العسكرية، مهما كانت حاسمة، لضمان نهاية الخطر الذي مثّله؟

في التاسع من كانون الأول 2017، أعلن رئيس الوزراء آنذاك حيدر العبادي تحرير الأراضي العراقية من سيطرة داعش. كان ذلك الإعلان خاتمة مرحلة دامية استعاد فيها العراق مدناً وأراضي واسعة، بعد حرب دفعت البلاد خلالها أثماناً بشرية ومادية باهظة. وقد أثبتت القوات الأمنية، بمختلف صنوفها، قدرتها على خوض معركة معقدة وإنهاء سيطرة التنظيم على الأرض. لكن السنوات التي أعقبت التحرير كشفت أن استعادة الأرض تمثل مرحلة من المواجهة، وأن حماية ما تحقق تضع الدولة أمام امتحان مختلف.

المفارقة أن التنظيم الذي خسر قدرته على حكم المدن ما زال قادراً على الاختباء والتحرك وتنفيذ هجمات متفرقة. وهذه المفارقة لا تعني أن معركة التحرير أخفقت، كما لا تسمح بالتعامل مع الخطر باعتباره قد انتهى. فهناك فارق جوهري بين تنظيم يسيطر على مدن ويدير أراضي ويفرض سلطته على السكان، وتنظيم يتراجع إلى خلايا صغيرة تبحث عن ثغرة أمنية أو فرصة لإعادة بناء شبكاتها.

وتساعد التقارير الأممية على فهم هذا التحول. فقد أشار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في شباط 2026 إلى أن هجمات داعش في العراق خلال عام 2025 سجلت أدنى مستوياتها، فيما حذرت تقارير لاحقة من استمرار التهديد الذي يمثله التنظيم وفروعه وقدرتها على التكيف مع الضغوط الأمنية. نحن، إذن، أمام تراجع في قدرة التنظيم، لا أمام اختفاء كامل للخطر.

لكن لماذا يستمر هذا الخطر؟

جزء من الإجابة يرتبط بطبيعة التنظيم نفسه. فخسارة الأرض لا تعني بالضرورة تفكيك جميع الشبكات البشرية واللوجستية التي ساعدت التنظيم على الصعود. وقد تتحول العناصر المتبقية إلى مجموعات محدودة الحركة والاتصال، تعتمد الاختباء والمباغتة، وتستفيد من معرفتها بالتضاريس والطرق المحلية. وتصبح ملاحقتها أكثر تعقيداً حين لا يعود الخصم جيشاً يحتل المدن، وإنما خلايا يصعب رصد تحركاتها باستمرار.

وتزيد الجغرافيا العراقية من تعقيد هذه المهمة. فالمساحات الصحراوية والوديان والمناطق الجبلية تتيح فرصاً للاختباء، بينما تتطلب مراقبة المناطق الواسعة جهداً استخبارياً وأمنياً مستمراً. غير أن الجغرافيا، وحدها، لا تفسر بقاء التنظيم؛ فهي تتيح فرصاً للحركة، لكنها لا تمنح الجماعات المسلحة القدرة على الاستمرار ما لم تتوافر لها وسائل للتجنيد والدعم والتواصل.

وهنا تبرز أهمية الحدود العراقية السورية. فالتطورات الأمنية في سوريا لا تبقى محصورة داخلها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتنظيم يمتلك تاريخاً من الحركة عبر الحدود. وقد أعاد نقل آلاف المحتجزين المشتبه بارتباطهم بداعش من شمال شرقي سوريا إلى العراق خلال عام 2026 هذا الملف إلى واجهة التحديات الأمنية والقضائية. وأعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي في أيلول الماضي اكتمال التحقيق مع 5704 متهمين نُقلوا إلى البلاد، والانتقال إلى مرحلة إحالتهم إلى المحاكم المختصة.

يمثل هذا الملف اختباراً لقدرة الدولة على إدارة قضية معقدة تجمع بين الأمن والقضاء والتعاون الدولي. فتأمين المحتجزين، والتحقق من مسؤولية كل متهم، واستكمال المحاكمات وفق القانون، كلها عناصر ضرورية لمنع تحول ملف الاحتجاز إلى مصدر تهديد جديد. كما أن استقرار المناطق الحدودية والتنسيق الاستخباري مع دول الجوار يظلان من متطلبات حماية العراق من انتقال المخاطر الإقليمية إليه.

مع ذلك، لا يمكن اختزال المسألة في الحدود والخلايا والعمليات العسكرية. فالتنظيمات المتطرفة تبحث عن الظروف التي تستطيع استغلالها، سواء تمثلت في نزاعات محلية أو ضعف الثقة بالمؤسسات أو هشاشة الأوضاع الاجتماعية. ولا يعني ذلك أن الأزمات الاقتصادية تنتج الإرهاب بصورة آلية، وإنما أن الدولة التي تريد منع عودته تحتاج إلى معالجة المشكلات التي قد تتحول إلى منافذ للتجنيد أو الاختباء أو استغلال التوترات المحلية.

وهنا تبدأ المسافة بين النجاح العسكري واستدامة الأمن. فالعملية الأمنية تستطيع تفكيك خلية، والجهد الاستخباري يستطيع إحباط هجوم، وتأمين الحدود يمكن أن يحد من حركة العناصر المسلحة. لكن منع عودة التنظيم يحتاج، إلى جانب ذلك، إلى مؤسسات قادرة على فرض القانون، وإدارة المناطق المحررة بكفاءة، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وضمان عودة النازحين بصورة آمنة، وبناء علاقة ثقة بين المواطن والدولة.

هذه ليست مهاماً بديلة عن المواجهة الأمنية، وإنما امتداد لها. فالدولة التي تريد تثبيت نتائج التحرير لا تستطيع الاكتفاء برد الفعل على تحركات التنظيم؛ عليها أن تمنع الظروف التي تساعده على استعادة قدرته. ويقتضي ذلك تطوير العمل الاستخباري، وتنسيق جهود الأجهزة الأمنية، والاستفادة من تقنيات الرصد الحديثة، بالتوازي مع معالجة النزاعات المحلية وتوفير فرص حقيقية للشباب وتعزيز سيادة القانون.

من المهم أيضاً ألا تتحول كل عملية أمنية إلى مناسبة للتهويل من قوة داعش، أو أن يُقرأ استمرار الملاحقات باعتباره دليلاً على عودة التنظيم إلى مرحلة سيطرته السابقة. فالتقييم الموضوعي يبدأ من حجم قدرته الفعلية على التجنيد والتخطيط والتنفيذ، ومن عدد الهجمات وطبيعتها، ومن مدى نجاح الدولة في تفكيك شبكاته ومنع توسعه. بهذا المعيار يمكن قراءة العمليات الأمنية باعتبارها ضرورة لحماية الاستقرار، لا دليلاً تلقائياً على فشل التحرير.

لقد خاض العراق معركة استعادة الأرض، ونجح في إنهاء سيطرة داعش على المدن. أما التحدي الراهن فيتمثل في منع التنظيم من تحويل ما تبقى له من قدرات إلى فرصة للعودة. وبين المرحلتين تتحدد مسؤولية الدولة في حماية ما تحقق، وتطوير مؤسساتها، ومعالجة الثغرات التي يمكن أن يستغلها خصومها.

بعد نحو تسع سنوات، لم يعد السؤال الأهم هو لماذا ما زالت القوات الأمنية تطارد فلول داعش؛ فوجود خلايا مسلحة يفسر استمرار الملاحقة. السؤال الأهم هو كيف يضمن العراق أن تبقى هذه الخلايا عاجزة عن التحول مجدداً إلى قوة تهدد المدن والمجتمع والدولة.

فالتحرير يستعيد الأرض، أما استدامة النصر فتقاس بقدرة الدولة على حماية تلك الأرض، ومنع الإرهاب من العثور على طريق العودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *