أحدث الرسام الإسباني بابلو بيكاسو (1881-1973) ثورة في الفن الحديث بمشاركته الكبيرة في تأسيس المدرسة التكعيبية. وامتد منجزه الفني سبعين عامًا، أنتج خلالها أكثر من 50,000 عمل، شملت اللوحات الزيتية والرسومات والمنحوتات والأعمال الخزفية وغيرها، متلاعبًا بطريقة خلاقة بالوسائط الفنية والأشكال والأنماط، وخالقًا تجريبًا يتجاوز الأسلوب الواحد.
- بورتريه ذاتي (1900)
تدرّب بابلو بيكاسو مستلهمًا أساليب كبار الأساتذة القدامى والآثار الرومانية، لكنه، في أوائل العشرينيات من عمره، بدأ بتجربة تقنيات الحداثة؛ فرسم بورتريهًا ذاتيًا وهو في الثامنة عشرة فقط، وقبل عام من انتقاله إلى باريس. فأظهر براعة تقنية هائلة وتحكمًا كبيرًا في أدواته الفنية، بأسلوب ما بعد الانطباعية الذي يتسم بالواقعية إلى حد كبير، لكنه بدأ يميل نحو التجريب الفني، فأبدع بيكاسو عددًا لا يُحصى من اللوحات.
- لوحة «الحياة» (La Vie)، 1903
تنتمي لوحة «الحياة» إلى أهم أعمال بيكاسو في «المرحلة الزرقاء» (Blue Period)، التي تلت انتحار صديقه كارليس كاساجيماس، الذي كان يعاني من الاكتئاب؛ فأطلق النار على نفسه في مقهى باريسي أمام أصدقائه. وتحت وطأة الصدمة التي خلّفها رحيل صديقه، بدأ بيكاسو الرسم باستخدام درجات اللونين الأزرق والأخضر، متناولًا موضوعات الفقد والفقر واليأس. ويظهر في اللوحة كاساجيماس، شبه عارٍ، في عناق مع المرأة التي كانت قد رفضته قبل وفاته بفترة وجيزة. واللوحة في الأصل بورتريه ذاتي لبيكاسو، أعاد رسمه لاحقًا ليشبه كاساجيماس.
- لوحة «بهلوان على كرة» (Acrobat on a Ball)، 1905
وقع بيكاسو في حب فرناند أوليفييه عام 1904، وهي فنانة وعارضة فرنسية أصبحت شريكته الأولى لفترة طويلة ومصدر إلهام رئيسيًا له، مما ساعده على تجاوز الاكتئاب العميق الذي عانى منه خلال «المرحلة الزرقاء». فتحوّل نحو درجات ألوان الوردي والبرتقالي، وهي ألوان «المرحلة الوردية» (Rose Period). وكثيرًا ما رسم مجموعات من الفنانين الجوّالين ولاعبي الأكروبات الذين شعر بصلة وثيقة معهم. وفي ذلك الوقت، كان يعيش في مجمع فني مشترك يُعرف باسم «باتو لافوار» (Bateau-Lavoir)، ورسم شخصية «هارلكين» بشكل متكرر، فأصبحت قرينًا أو وجهًا آخر لبيكاسو طوال حياته.
- بورتريه غيرترود شتاين، 1905-1906
يُعد بورتريه غيرترود شتاين، الكاتبة وجامعة الأعمال الفنية البارزة، واحدًا من أشهر البورتريهات الشخصية التي أبدعها بيكاسو في المرحلة التي سبقت تبنّيه المدرسة التكعيبية، التي أثّرت في تشكيل ملامح الثقافة في عصرها. ولم يكن رسم هذا البورتريه أمرًا هيّنًا؛ إذ تطلّب أكثر من 90 جلسة رسم مضنية، دون أن تُثمر عن نتيجة تُذكر تقريبًا. لم يكن الفنان راضيًا عن أدائه في رسم وجه النموذج، شتاين، حتى فكّر في التخلي عن العمل برمته. وفي مرحلة ما، قام بمسح جزء من الصورة وغادر مرسمه لعدة أسابيع. وقد دفعته فترة الانقطاع هذه إلى إعادة النظر في علاقته بالصورة المرسومة؛ فبدلًا من الاعتماد على دقة ملامح الوجه والجسد، ركّز على الانطباع الذي تركته شتاين بوصفها شخصية واثقة، ذات حضور قوي وقوة ملاحظة.
- بورتريه ذاتي، 1907
في بحثه عن بدائل للغة البصرية الغربية التقليدية، يعكس البورتريه الذاتي الذي رسمه بيكاسو في الخامسة والعشرين من عمره هوسه بالفن الأفريقي والفن الرومانسكي. وقد وصف الأقنعة والمنحوتات الأفريقية بأنها بمثابة «صحوة روحية»، فاتجهت صوره، بتأثيرها، نحو التبسيط عبر الخطوط المستقيمة والأشكال الهندسية، لكنها لم تكن قد بلغت بعد ذلك التعقيد الرياضي المميز للمدرسة التكعيبية.
- آنسات أفينيون (Les Demoiselles d’Avignon)، 1907
تُعد لوحة «آنسات أفينيون» واحدة من أكثر أعمال بيكاسو ثورية وجرأة؛ فقد هزّت أركان عالم الفن وأطلقت شرارة ثورة جمالية مهّدت لظهور المدرسة التكعيبية. وفيها بلغ هوس بيكاسو بالفن الأفريقي ذروته؛ فرسم مجموعة من البغايا اللواتي يعملن نماذج للفنانين. وكانت الملامح الصادمة والمثيرة للقلق وانحناءات الأجساد انعكاسًا، وفق تفسير النص، لتجربة بيكاسو الشخصية مع مرض تناسلي أُصيب به في أحد بيوت الدعارة الباريسية، فصبّ معاناته في صورة خوف من النساء اللواتي كان يرى أنهن المسؤولات عن حالته تلك.
- «ما جولي» (Ma Jolie)، 1912
بعد لوحة «آنسات أفينيون» (Les Demoiselles)، ركّز بيكاسو على ابتكار المدرسة التكعيبية، التي كانت شكلًا فنيًا يتسم بطابع فكري عميق، تطلّب تفكيك الواقع الموضوعي وتحليله وتحويله إلى مستويات وأشكال وزوايا، مع التركيز على الجانب التحليلي. وعمد فنانو التكعيبية، بيكاسو وجورج براك، إلى تبسيط لوحة الألوان لتقتصر على درجات الرمادي والبني. وتُعد لوحة «ما جولي» واحدة من تلك التجارب الجريئة.
- بورتريه لأولغا جالسة على كرسي بذراعين، 1917-1918
بعد الحرب العالمية الأولى، تراجع العديد من الفنانين الغربيين عن تجاربهم الفنية الراديكالية وعادوا إلى الأساليب الأكثر تقليدية، وكان بيكاسو واحدًا منهم؛ إذ انتقل مؤقتًا إلى الكلاسيكية الجديدة. ومن أشهر أعماله في هذه المرحلة لوحة «بورتريه لأولغا خوخلوفا». واحتفالًا بخطبتهما، رسمها بأسلوب تقليدي، مضفيًا عليها لمسته التجريبية المميزة، إذ ترك معظم مساحة القماش فارغة.
- غيرنيكا، 1937
تُعد «غيرنيكا» أشهر لوحة فنية مناهضة للحرب على الإطلاق. ففي عام 1937، قصفت القوات الألمانية بلدة غيرنيكا الإسبانية بأمر من الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، خلال حكم الجمهورية اليسارية التي كانت تسعى إلى حشد الدعم الأوروبي. فرسم بيكاسو صورة صادمة للمدينة وهي تعاني الفوضى، لعرضها في معرض باريس الدولي، في محاولة منه لزيادة الوعي بالصراع الدائر.
- المرأة الباكية (The Weeping Woman)، 1937
تُعد لوحة «المرأة الباكية» واحدة من أشهر أعمال بيكاسو، وواحدة من الصور التي تعكس، وفق قراءة النص، سلوكه تجاه النساء. فعندما بدأ علاقة مع دورا مار، لم يكترث لإنهاء علاقته بحبيبته السابقة ماري تيريز والتر بطريقة لائقة، بل كان يستمتع بإشعال الصراع بين المرأتين علنًا، ووصل به الأمر إلى محاولة دفعهما إلى الاشتباك الجسدي. وتجسّد الصورة دورا مار في حالة من الأسى والاضطراب، بما يعكس ما يصفه النص بأنه انهيار عصبي هستيري.
- منحوتة «رأس الثور» (Bull’s Head)، 1942
كان بيكاسو فنانًا متعدد المواهب وفضوليًا، يهوى تجربة وسائط فنية متنوعة؛ فقد عمل في تصميم الأزياء والعمارة والخزف والنحت. ومن أشهر إبداعاته عمل فني تركيبي «دادائي» بعنوان «رأس الثور»، صُنع من مقعد ومقود دراجة هوائية محطمة. وقد أوضح بيكاسو أن فكرة الجمع بين هذه الأشياء واتته فجأة، دون تفكير واعٍ مسبق. والثور رمز بارز في أعمال بيكاسو الفنية، بدلالاته الواضحة المرتبطة بالثقافة الإسبانية ومصارعة الثيران، كما يرمز إلى «المينوتور» (Minotaur)، الكائن الأسطوري الهجين الذي يجمع بين هيئة الثور وجسد الإنسان. وكانت هذه الشخصية لديه تجسيدًا للصراع الداخلي بين الطبيعة الحيوانية والطبيعة البشرية.
- استلهامًا من عمل رامبرانت «إتشي هومو»، للفنان بابلو بيكاسو، 1971
من بين آخر أعمال بيكاسو صورة غير تقليدية استلهمها من لوحة محفورة للفنان رامبرانت فان راين. وكانت اللوحة الأصلية تصور مشهدًا من الكتاب المقدس يُعرض فيه السيد المسيح أمام الحشود قبيل صلبه مباشرة. وعلى الرغم من عدم تدين بيكاسو، فإنه كان يحمل تقديرًا كبيرًا لرامبرانت؛ فأعاد صياغة المشهد ليحوّله إلى صورة علمانية تُظهر عرضًا مسرحيًا وجمهورًا يضم حشودًا فوضوية، ووجوهًا مألوفة من زملائه الفنانين وشريكات حياته السابقات وشخصيات أخرى بارزة في حياته. فكان العمل بمثابة وداع من بيكاسو، الذي توفي بعد أقل من عامين عن عمر ناهز 91 عامًا، ليكون هذا العمل تحية الوداع الأخيرة في مسيرته الفنية.


