النخبة هي الحل، الحلقة السادسة: النخبة التي نريد

النخبة هي الحل، الحلقة السادسة النخبة التي نريد
يرسم المقال ملامح النخبة المنشودة بوصفها نخبة منفتحة ومتعددة ومسؤولة وقريبة من الناس ومتقبلة للاختلاف. ويؤكد أن التعليم العادل والمؤسسات الراسخة والمشاركة المجتمعية ضرورية لتحويل المعرفة إلى أثر ملموس، وأن قيمة النخبة الحقيقية تكمن في خدمة المجتمع وتحقيق الصالح العام...

بعد هذه الرحلة من أثينا إلى بغداد، ومن الفارابي إلى باريتو (عالم الاجتماع الإيطالي صاحب نظرية دوران النخب)، ومن أوروك إلى شارع المتنبي، يحق لنا أن نعود إلى العبارة التي بدأنا بها: النخبة هي الحل.

هي كذلك، لكن أي نخبة؟

نريد أولاً نخبة مفتوحة، يستطيع ابن القرية أن يصل إليها كما يصل ابن العاصمة، لأن باريتو علّمنا أن النخبة التي تُغلق أبوابها تذبل، وأن دورانها هو ما يحفظ حيوية المجتمع. والمدرسة الجيدة والجامعة العادلة هما بابا هذه النخبة.

ونريد ثانياً نخبة متعددة، لا نخبة واحدة تحتكر الحقيقة. نخبة علمية وأخرى أدبية وثالثة اقتصادية ورابعة دينية وخامسة سياسية، يُكمل بعضها بعضاً، ويُضيء كلٌّ منها ما يغيب عن الآخر. هذا ما تعلّمناه من موسكا في نهاية عمره.

ونريد ثالثاً نخبة مسؤولة، تعلم أن ما بين يديها أمانة. وهذا لا يُضمن بالنيات الحسنة وحدها، بل بمؤسسات راسخة وقضاء عادل وإعلام مهني وثقافة مراجعة وتقييم. فقد علّمنا اللورد أكتن أن السلطة تُغيّر من يحملها، وأن الحاجة إلى الرقابة لا تنتهي بانتهاء حسن الظن.

ونريد رابعاً نخبة قريبة من الناس، تتعلم من شارعها كما علّمنا الوردي، وتكتب بلغة يفهمها الناس دون أن تهبط بمستوى الفكرة، فالفلسفة التي لا يفهمها أحد لا تغيّر أحداً. وتبدأ مسؤولية النخبة حين تتحول المعرفة إلى أثر ملموس في حياة المجتمع، عبر سياسات عادلة وفرص متكافئة ومبادرات تستجيب لحاجات الناس. فالمعيار ليس ما تمتلكه النخبة من مكانة، بل ما تقدمه من قيمة عامة.

ونريد خامساً نخبة تحتمل الخلاف. فالحقيقة التي لا تُختبر بالنقد تتحجر، والنخبة التي لا تسمع تصبح طبقة منعزلة. ومن ادّعى أنه وحده يملك الحق، فقد خرج من صفوف النخبة إلى صفوف الأتباع، كما قال أورتيغا.

أما الجمهور، فليس مطلوباً منه أن يصفق أو يهتف، بل أن يتعلم ويسأل ويشارك ويُسهم. والمواطن الذي يبتعد عن الشأن العام لأنه فقد الأمل يستحق الفهم، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يعلم أن حضوره يصنع فرقاً، وأن غيابه يترك الساحة لغيره.

عودوا معي إلى النخلة التي نعرفها. قمتها الخضراء هي ما يُرى ويُمدح، وجذعها هو ما يربط القمة بالجذر، وجذرها هو ما يُطعم الشجرة كلها وهو مدفون في الطين لا يراه أحد. ولا قيمة لقمة بلا جذع، ولا جذع بلا جذر. والنخبة في هذه الصورة ليست كل النخلة، بل هي ثمرها: ما يعطيه الجذر والجذع والشمس معاً. ومتى انقطع الجذر جفّ الثمر.

فالنخبة هي الحل حقاً، لكن النخبة التي تنبت من الناس وتعود إليهم وتخدمهم. ولا يتحقق ذلك بخطاب ولا بشعار، بل بمؤسسات تُبنى ببطء وصبر، وتعليم يُكرّم العقل، وجيل يؤمن بأن الفكرة الجيدة تستحق أن نعمل لها مرة بعد مرة.

هذا طريق لم نكمله بعد. لكنه الطريق الذي يستحق أن نمشيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *