تعتبر الفلسفة الواقعيّة ضرورة تاريخيّة لمواجهة فلسفة الامتثال واللامعقول، حيث تشكل أداة نقديّة حاسمة لتفكيك الأوهام ومواجهة ضغوط المجموعات أو القوى التي تدفع الأفراد نحو التقليد الأعمى والامتثال والاستسلام.
ومن أبرز الممارسات والآليات الفكريّة والسلوكيّة التي تقدمها الواقعيّة لمواجهة فلسفة الامتثال واللامعقول يأتي:
أولاً: التحليل النقدي للمسلّمات, والتعامل معها بعقلانيّة. أي تفكيك الأفكار السائدة في المجتمع وعدم قبولها كحقائق مطلقة لمجرد أن الأغلبيّة تؤمن بها.
ثانياً: ضرورة الاشتباك مع الواقع المعيوش ومدى تأثيره ودوره في انتاج أو تحديد وعي الإنسان أو بناء وعي ذاتي له يستند إلى معطيات الواقع.
ثالثاً: التركيز على الحقائق العيانيّة والنتائج الملموسة, بدلاً من الجري وراء الشعارات الأيديولوجيّة أو الوعود الطوباويّة. وتعزيز الفردانيّة المسؤولة التي تمنح الفرد الشجاعة الفكريّة في اتخاذ مواقف مستقلة حتى لو كانت مغايرة للمجموع.
رابعاً: مقاومة التنميط الاجتماعي أو النمذجة, أي رفض القوالب الجاهزة وسياقات الامتثال التي تفرضها ثقافة الاستهلاك لتوجيه سلوك الفرد والجماهير..
مبادئ وقواعد الفلسفة العقلانيّة في تاريخنا المعاصر:
1- إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآليّة عملها, وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان – أي الظاهر – تؤثر فيه ويؤثر فيها, وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآليّة عملها.
2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب, بل وحريّة أيضاً, وهنا تكمن استقلاليته النسبيّة عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به, وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.
3- الظواهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته, ليست ثابتة جامدة في معطياتها, بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين, أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم, وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها, ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.
4- الفلسفة العقلانيّة المعاصرة لا تؤمن بوجود أفكار فطريّة موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة, بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة المحيطة به على تفكيره وسلوكياته, دون أن ننكر أن هناك استعداداتٍ وراثيةً أوليةً لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس في حياة الإنسان.
5- الفلسفة الواقعية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي, وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد, وعليه فإن حريّة الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة, وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً, وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبيّة التي يفرضها المجتمع المتخلف والدولة المستبدة معاً على تفكيره وتصرفاته.
6- لا تقر الفلسفة العقلانيّة المعاصرة بالأخلاق المعياريّة المسبّقة, والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته, وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخيّة المعيوشة, فهي ضد القوالب الأخلاقيّة والفكريّة الجامدة أو الجاهزة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد من انعتاقه وتطور ونمو إنسانيته.
7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانيّة المعاصرة ليس معطىً بيولوجيّاً تقوم آليّة عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه, بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفرديّة والاجتماعيّة تاريخيّاً, وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخيّة التي يعيشها, والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.
8- تؤمن الفلسفة العقلانيّة المعاصرة بدور وأهميّة التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بإجابيه مع الواقع الذي يعيش فيه, وحالات تبدل وتطور هذا الواقع .
9- الفلسفة العقلانيّة المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة, فللجانب الروحي عندها أهميّة في إغناء الجانب العملي, على الرغم من أن البداية للفعل كما يقول “فاوست” والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي, فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدليّة, والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنيّة, وإحساسات داخليّة تتجلى في شعوره بالحب والكره, والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها .
10- ملاك القول: هذه هي أبرز القواعد التي يجب أن ترتكز عليها الفلسفة العقلانيّة المعاصرة في عالمنا المعاصر برأيي, والتي تشكل المنطلقات الفكريّة لكل تفكير عقلاني تنويري يرمي إلى تجاوز عقليّة وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر, إضافة إلى عقليّة وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي هدفه تنمية الغريزة على حساب العقل, وقتل روح الإنسان وإبداعاته, وبالتالي العمل على نمذجته وحيونته معا.


