أكاذيب الفراغ: مهرجانات السينما.. محاولة لصناعة الوهم

أكاذيب الفراغ مهرجانات السينما.. محاولة لصناعة الوهم
ينتقد الكاتب تحوّل المهرجانات السينمائية في العراق إلى مظاهر احتفالية لا تعالج غياب صناعة سينمائية متكاملة، مؤكداً ضرورة توفير التمويل المستدام ودور العرض والتوزيع، ودعم السينمائيين، وقياس أثر المهرجانات بشفافية، بدلاً من الاكتفاء بالخطابات والصور والجوائز...

لا سينما في العراق منذ زمن طويل؛ لأن السينما صناعة تحتاج إلى مقومات خاصة، والصناعة في بلد الفرهود وصلت إلى حد التلاشي. ولأن الصناعة تحتاج إلى مسوّق ومستهلك، وكلاهما تلاشى وانتهت مهمته، ومعه اختفت دور العرض التي كانت تستقطب المشاهد وتدفعه دائماً إلى الوقوف أمام سؤال واحد مهم وجريء: متى تكون لدينا سينما عراقية، مثلنا مثل الآخرين؟

لكن يبدو أننا وجدنا الحل أخيراً: ما دمنا عاجزين عن صناعة السينما، فلنصنع مهرجاناتها!

يا لها من عبقرية عراقية تستحق أن تُدرَّس في أكاديميات العجز! لماذا نتعب أنفسنا ببناء صناعة سينمائية، ونفتح دور العرض، ونؤسس معاهد حقيقية، ونوفر التمويل، ونصنع سوقاً للأفلام، ونخلق بيئة تحترم المخرج والممثل والكاتب والفني؟ لماذا كل هذه التفاصيل المزعجة، ما دمنا نستطيع أن نقيم مهرجاناً، ونمد سجادة، ونعلق لافتة، ونلتقط الصور، ونوزع الجوائز، ثم نعود إلى بيوتنا مطمئنين إلى أننا أصبحنا دولة سينمائية؟!

يا سادة، نحن لا نحتاج إلى سينما؛ نحن نحتاج إلى صورة فوتوغرافية توحي بأن لدينا سينما!

نحتاج إلى منصة، وخلفية ملونة، وميكروفونات تتزاحم أمام أفواه المتحدثين، وكلمات كبيرة تتدحرج من قبيل النهوض بالواقع السينمائي، وتعزيز الثقافة البصرية، ودعم الطاقات الشابة، وفتح آفاق الإبداع، فيما يظل الفيلم العراقي نفسه يبحث عن نافذة يطل منها على جمهور لا يجد صالة يشاهده فيها!

أيها السادة، أليس في هذا ما يستحق جائزة كبرى في فن المفارقة؟!

أن تقيم مهرجاناً للسينما في بلدٍ لا يملك صناعة سينمائية متكاملة، وأن تحتفي بالفيلم فيما الطريق إلى مشاهدته شبه غائب، وأن تتحدث عن الجمهور فيما الجمهور خارج الحسابات، وأن تصفق للمخرج فيما لا يعرف أحد كيف سيعيش من مهنته، وأن تحتفل بالمنجز السينمائي ثم تسأل، بعد انطفاء الأضواء: ماذا بعد؟!

ماذا بعد، يا جماعة الخير؟!

هل ستفتحون صالة عرض واحدة؟ هل ستنشئون صندوقاً مستداماً لتمويل الأفلام؟ هل ستعيدون للسينما العراقية قدرتها على الإنتاج والتوزيع والوصول إلى الناس؟ هل ستخلقون سوقاً يستطيع فيها المخرج أن يبيع فيلمه، ويسترد جزءاً من كلفته، ويبدأ فيلماً آخر، بدلاً من أن يظل يتنقل من منحة إلى منحة، ومن لجنة إلى لجنة، ومن وعد إلى وعد، حتى يصبح عمره كله مشروعاً سينمائياً لم يُنجز؟!

أم أن الإجابة ستأتي في الدورة المقبلة، على لسان مسؤول جديد، وبشعار جديد، وتحت رعاية جديدة، وبميزانية لا يعرف الجمهور أين تبدأ وأين تنتهي؟!

اصرخوا معي: أين السينما؟!

لا تسألوني عن المهرجان؛ أعرف أن المهرجان موجود، وأن له اسماً وموعداً وملصقاً وربما كؤوساً لامعة. أسألكم عن السينما التي يفترض أن يكون المهرجان نافذتها، وعن الصناعة التي يفترض أن يكون المهرجان إحدى ثمارها، وعن الفيلم الذي لا يحتاج إلى مناسبة استثنائية كي يجد طريقه إلى الناس.

أين السينما التي يستطيع شاب عراقي أن يحلم بها من دون أن يبدأ حلمه بالبحث عن ممول، وينهيه بالبحث عن ممول آخر؟ أين المؤسسة التي تتعامل مع السينما باعتبارها عملاً ثقافياً واقتصادياً طويل الأمد، لا مناسبة عابرة تُستدعى عند الحاجة إلى صورة جميلة في نشرة الأخبار؟ أين الخطة التي تتجاوز عمر المسؤول، والدورة، واللجنة، والبيان الختامي؟!

لا أحد يعادي المهرجانات لمجرد أنها مهرجانات. المهرجان الجاد يمكن أن يكون نافذة للتعريف بالأفلام، ومكاناً للحوار، وفرصة للتدريب والتواصل، وجسراً يصل السينمائي العراقي بالعالم. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الجسر إلى وجهة، وحين نحتفل بالوسيلة كأنها الغاية، وحين تصبح المناسبة بديلاً عن المشروع.

نحن لا نعترض على الاحتفال بالسينما؛ نحن نعترض على استخدام الاحتفال ستاراً لإخفاء غيابها!

وهنا تبدأ الكوميديا السوداء.

بلدٌ يستطيع أن يعلن عن مهرجان، لكنه يعجز عن ضمان استمرار صناعة. يستطيع أن يجمع الضيوف، لكنه لا يجمع عناصر السوق. يستطيع أن يكتب في كلمته الافتتاحية أن السينما مرآة المجتمع، لكنه لا يسأل لماذا كُسرت المرآة، ومن كسرها، ولماذا نكتفي كل مرة بتلميع إطارها!

ثم يخرج علينا من يحدّثنا عن الحضور الدولي، وكأن عدد الجنسيات في قاعة الاحتفال هو المقياس الحقيقي لنهضة السينما العراقية. مرحباً بالضيوف، أهلاً بالأفلام، وكل الاحترام لكل تجربة تستحق المشاهدة؛ لكن هل أصبح نجاحنا الثقافي يُقاس بعدد الذين يأتون إلى العراق في أيام المهرجان، لا بعدد الأفلام العراقية التي تستطيع أن تعيش بعد انتهاء المهرجان؟!

وهل بات الإنجاز أن يغادر الضيف حاملاً انطباعاً جميلاً، فيما يعود السينمائي العراقي إلى مشكلته القديمة، كأن الأيام التي مرت لم تكن سوى استراحة قصيرة من العجز؟!

يا لهذه القدرة العجيبة على صناعة المشهد، فيما يظل ما وراء المشهد خاوياً! نحن بارعون في افتتاح الأشياء، أقل براعة في تشغيلها، وأكثر براعة في الاحتفال بها قبل أن تكتمل. نفتتح المشروع، ونلتقط الصورة، ونلقي الخطاب، ثم نترك الزمن يتولى مهمة إغلاقه. وإذا سأل أحد عن النتائج، قلنا له: انتظروا الدورة المقبلة. وإذا سأل عن الصناعة، قلنا له: نحن نعمل على تطويرها. وإذا سأل عن الجمهور، قلنا له: نطمح إلى استعادته.

كل شيء عندنا في صيغة المستقبل، حتى الأكاذيب صارت مشاريع قيد الإنجاز!

والمؤلم أن السينمائي العراقي ليس متفرجاً على هذه المهزلة؛ إنه أحد ضحاياها. ذلك الذي يكتب ويصور ويمنتج ويستدين، ويضع من عمره وماله وأعصابه ما لا تضعه مؤسسة كاملة في مشروعها، ثم يكتشف أن الفيلم لا يكفي كي يصنع له مكاناً في الحياة. يحتاج إلى شبكة عرض، وإلى توزيع، وإلى نقد مهني، وإلى جمهور يستطيع الوصول إليه، وإلى مؤسسات لا تتذكره فقط عندما تحتاج إلى اسمه في قائمة المشاركين.

إننا نطلب من المخرج أن يصنع المعجزة، ثم نمنحه بيئة لا تساعد حتى على إنجاز الممكن. نريده أن ينافس العالم، بينما نتركه وحيداً أمام فاتورة الإنتاج. نريده أن يصنع فيلماً عظيماً، ثم لا نملك منظومة تضمن أن يشاهده الناس. نريده أن يرفع اسم العراق، لكننا لا نسأل دائماً ماذا فعل العراق كي يرفع هذا السينمائي من أرض العوز إلى أرض العمل.

إلى متى نحمّل المبدع مسؤولية غياب المنظومة التي يفترض أن تحمي إبداعه؟!

وإلى متى نخلط بين تكريم السينمائي وإنصافه؟! التكريم لحظة، أما الإنصاف فسياسة. التصفيق ينتهي، أما الصناعة فتحتاج إلى تمويل وقوانين ومؤسسات وشفافية واستمرارية. الدرع قد يوضع على الرف، أما الفيلم فلا يعيش على الدروع، والمخرج لا يدفع إيجار بيته بالتصفيق، والفني لا يشتري معداته بعبارات الإشادة.

لا تقولوا إننا نبالغ. المبالغة الحقيقية أن نتحدث عن نهضة سينمائية ولا نضع شروطها على الطاولة. أن نعلن الانتصار قبل المعركة، ونوزع الأوسمة قبل بناء الميدان، ونصفق للنتائج فيما الأسئلة الأساسية ما تزال ممنوعة من دخول القاعة!

ولنسأل السؤال الذي لا تحبه الكلمات الاحتفالية: من يحاسب المهرجان على أثره بعد انتهائه؟ لا على عدد الحاضرين، ولا على فخامة الافتتاح، ولا على عدد الصور المنشورة، بل على ما تركه في حياة السينما العراقية. كم فيلماً ساعد على إنجازه؟ كم فرصة حقيقية خلقها؟ كم علاقة إنتاج وتوزيع أسسها؟ كم شاباً درّب؟ كم عملاً أوصله إلى جمهور جديد؟ وما الذي تغيّر في العام التالي، سوى التاريخ المطبوع على الملصق؟!

هذه ليست أسئلة عدائية. هذه أسئلة الحد الأدنى من الاحترام للمال العام وللفنان وللثقافة.

وإذا كانت بعض المهرجانات تحقق شيئاً من ذلك، فلتعلن نتائجها بوضوح، ولتضع تجاربها أمام النقد. أما أن نعامل كل سؤال باعتباره إساءة، وكل نقد باعتباره محاولة للتشويش، فذلك يعني أننا لم نعد نريد مهرجانات للسينما، بل مهرجانات للاطمئنان إلى أنفسنا، حيث يصفق الجميع للجميع، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب من الفراغ القابع في المنتصف.

ذلك الفراغ الذي نغطيه بالضوء، ثم نسميه إنجازاً!

أنا لا أريد مهرجاناً أقل جمالاً؛ أريد بلداً أقل كذباً على نفسه. لا أريد أن نطفئ الأضواء عن الأفلام، بل أن نضيء الغرف التي لا تُنتج فيها الأفلام. لا أريد منع الاحتفال، بل منع تحويل الاحتفال إلى وثيقة براءة من التقصير. ولا أريد من السينمائي أن يتوقف عن الحلم؛ أريد أن يتوقف المسؤول عن استهلاك أحلامه في الخطب.

أعيدوا السؤال إلى مكانه الأول، إلى الشارع، إلى الناس، إلى أولئك الذين كانوا يقفون أمام دور العرض ويسألون: متى تكون لدينا سينما عراقية مثلنا مثل الآخرين؟

لا تجيبوا عنهم بموعد مهرجان جديد.

أجيبوهم بصالة عرض تفتح أبوابها، وبفيلم عراقي يجد جمهوره، وبمنتج يغامر لأنه يرى سوقاً قابلة للحياة، وبمخرج لا يُجبر على أن يكون كاتباً ومصوراً ومحاسباً ومتسولاً للتمويل في الوقت نفسه، وبمؤسسة لا تتغير ذاكرتها كلما تغيرت إدارتها.

اصنعوا السينما أولاً، ثم احتفلوا بها كما تشاؤون!

أما أن نستبدل الصناعة بالاستعراض، والعمل بالخطابة، والنتائج بالصور، ثم نطالب الناس بالتصفيق، فهذه ليست نهضة سينمائية. إنها محاولة لتصوير الفراغ من زاوية لا تظهر فيها الثقوب.

والمشكلة أن الفراغ، مهما أتقنّا إضاءته، يظل فراغاً.

وأن الكذبة، مهما ارتدت ثوب الثقافة، تظل كذبة.

وأن السينما، يا سادة، ليست سجادة حمراء نمشي فوقها لبضع ساعات، بل طريق طويل وشاق، لا يكفي أن نفتتحه بالكلمات؛ ينبغي أن نمشيه.

فكفّوا عن صناعة الوهم، وابدؤوا بصناعة السينما.

فالعراق لا ينقصه من يصفّق للحلم، ولا من يعتلي المنصة ليعلن ولادته، ولا من يوزع شهادات الوفاة على الواقع ثم يحتفل فوق قبره.

ما ينقصه أن يتحول الحلم من مادة للخطابات إلى صناعة، وأن يتحول السينمائي من ضيف موسمي على مؤسساته إلى صاحب حق فيها.

أما مهرجاناتنا، فإن لم تكن طريقاً إلى السينما، فلتتوقف لحظة أمام المرآة وتسأل نفسها: ماذا نحتفل به بالضبط؟!

بسينما لم تولد بعد؟

أم بقدرتنا المذهلة على إقامة العزاء لها، ثم توزيع الجوائز على المعزّين؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *