غياب العدل في عالم اليوم: رؤية إيمانية وأملٌ مُراقَب بظهور القائم المهدي عجل الله فرجه الشريف

غياب العدل في عالم اليوم رؤية إيمانية وأملٌ مُراقَب بظهور القائم المهدي عجل الله فرجه الشريف
يرصد غياب العدالة السياسية والاقتصادية والأخلاقية من منظور إيماني شيعي، ويربط الأمل بعقيدة الإمام المهدي، مؤكداً أن الانتظار مسؤولية إصلاحية تقوم على مقاومة الظلم، وبناء الفرد والمجتمع، والاستعداد الواعي لمشروع العدالة الإلهية...

المقدمة : لو تأملنا خريطة العالم اليوم، لوجدنا مشهداً واحداً يتكرر في كل قارة وبلد: غياب العدل.

حروب تشتعل بلا سبب عادل، فقراء يزدادون فقراً وأغنياء يزدادون ثراءً، دماء تُسفك في غزة والسودان واليمن والجمهورية الاسلاميه الايراينية ولبنان والعراق، أطفال يموتون جوعاً بينما تُنفق المليارات على الأسلحة، وحقوق تُسلب باسم الديمقراطية والحرية.

السؤال الذي يطرحه كل مؤمن: لماذا كل هذا الظلم؟ هل خُلق الإنسان ليُظلم؟ وهل يستمر هذا الوضع إلى الأبد؟

القرآن الكريم يجيبنا بوضوح: إن غياب العدل ليس قدراً أزلياً، بل هو نتيجة طبيعية لبعد البشرية عن منهج الله، وسيأتي اليوم الذي يملأ الله فيه الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، وذلك على يد رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وهو الإمام المهدي عجل الله فرجه.

أولاً: مظاهر غياب العدل في عالم اليوم

  1. العدل السياسي الغائب:

نرى اليوم أن مجلس الأمن الذي أنشئ ليحفظ السلم العالمي، أصبح أداة بيد 5 دول تملك حق النقض (الفيتو). تُباد شعوب كاملة، ويُستخدم الفيتو لحماية الجلاد. أي عدالة هذه التي تسمح لدولة تقتل الأطفال يومياً أن تبقى فوق القانون؟

أين العدالة عندما يُحاكم الفقير إذا سرق رغيفاً، بينما يُكرّم السياسي الذي سرق قوت شعب كامل؟

  1. العدل الاقتصادي الغائب:

تقرير منظمة أوكسفام في 2024 كشف أن أغنى 1% في العالم يملكون أكثر من 99% من البشرية مجتمعين. 800 مليون إنسان ينام جائعاً كل ليلة، بينما يُلقى ثلث الطعام المنتج في العالم في القمامة.

نظام ربوي جشع، شركات عابرة للقارات تنهب ثروات إفريقيا وآسيا، وشعوب لا تجد دواءً ولا تعليماً. هذا ليس فقراً طبيعياً، بل هو ظلم منظم.

  1. العدل الإنساني والأخلاقي الغائب: أصبح الحق باطلاً والباطل حقاً. يُحارب الحجاب باسم الحرية، ويُدعم الشذوذ باسم حقوق الإنسان، ويُتهم المتدين بالتطرف، ويُقدم المنحرف كقدوة.

ازدواجية المعايير هي سيدة الموقف. ما يُدان في بلد يُمدح في بلد آخر إذا كانت مصلحة القوى الكبرى تقتضي ذلك.

الإمام علي عليه السلام قال: “الظلم يزول والعدل يدوم”. لكن ما نراه اليوم هو العكس، كأن الظلم هو الذي يدوم.

ثانياً: لماذا غاب العدل؟ الرؤية الإيمانية

الإسلام لا يرى الظلم أمراً عشوائياً، بل له أسباب واضحة ذكرها القرآن:

  1. حب الدنيا وعبادة السلطة:

قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45].

عندما تركت البشرية حكم الله، وحكمت بأهوائها، انتشر الظلم. الحاكم يريد الكرسي حتى لو قتل شعبه، والتاجر يريد الربح حتى لو أفقر الناس.

  1. غياب القيادة الإلهية المعصومة: منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، ابتعدت الأمة عن القيادة التي اختارها الله. الأئمة المعصومون الذين يمثلون العدل الإلهي تم تهميشهم وقتلهم. بغياب المعصوم، غاب الميزان الحقيقي.
  2. امتحان الله لعباده:

الله سبحانه يمهل ولا يهمل. قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}[إبراهيم: 42].

غياب العدل هو جزء من الامتحان. من يصبر؟ من يقاوم؟ من يمهد؟

ثالثاً: المهدي عجل الله فرجه.. الأمل المراقب

هنا تبرز عقيدة المهدي كصمام أمان للقلوب المؤمنة. لولا هذه العقيدة، لأصيب المؤمنون باليأس.

من هو المهدي؟

هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، محمد بن الحسن العسكري، المولود سنة 255 هـ، الذي غيبه الله غيبتين صغرى وكبرى لحكمة إلهية، وهو حي يرزق، يرانا ولا نراه، وينتظر الإذن الإلهي للظهور.

الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال متواتراً عند السنة والشيعة: “لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً”.

هذا الحديث وحده يغير كل المعادلة.

ماذا سيصنع عند ظهوره؟

الروايات تصف دولته بأنها ليست دولة انتقام، بل دولة عدل مطلق:

  1. عدل سياسي: ينهي حكم الطغاة والجبابرة، ويحكم بالقسط، لا يحابي أحداً.
  2. عدل اقتصادي: في الرواية: “يقسم المال صحاحاً” و”يخرج الأرض بركاتها”. لا يبقى فقير في دولته، يعطي عطاءً لم يعطه أحد قبله.
  3. عدل قضائي: يحكم بعلم الإمام، لا يحتاج إلى بينة، يحكم بحكم داود، فلا يظلم أحد.
  4. عدل إنساني: يعيد للمرأة كرامتها، وللطفل حقه، وللإنسان إنسانيته. حتى الحيوانات ترتاح في دولته.

قال الإمام الباقر عليه السلام: “إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور وأمنت به السبل.

رابعاً: الانتظار ليس جلوساً.. بل عمل الخطأ الكبير أن نفهم الانتظار على أنه بكاء ودعاء فقط. الانتظار الحقيقي هو (تمهيد).

المراقب لأمل ظهور المهدي هو إنسان عامل:

– يصلح نفسه: لا يمكن أن تنتظر العدل وأنت ظالم في بيتك، مع زوجتك، مع جيرانك. “كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم”.

– يقاوم الظلم: لا يسكت عن الظلم. يقول كلمة الحق ولو على نفسه. المنتظر الحقيقي هو الذي يرفض الظلم بكل أشكاله.

– يمهد للمجتمع: ينشر ثقافة العدل، يساعد الفقراء، يربي أولاده على حب المهدي، ويهيئ الأرضية لدولته.

– يراقب العلامات بوعي: لا ينجر وراء الدجالين ومدعي المهدوية. يلتزم بمرجعيته وولاية الفقيه.

الخاتمة:غياب العدل في عالم اليوم ليس نهاية القصة. إنه فصل مظلم قبل الفجر.

اليأس حرام في قاموس المنتظرين. كلما اشتد الظلام، اقترب الفجر. كلما زاد الظلم في غزة واليمن والعراق وكل مكان، نحن نوقن أن الأرض قد امتلأت ظلماً وجوراً، وهذا شرط ظهوره.

نحن لا ننتظر رجلاً فقط، نحن ننتظر (مشروع عدل إلهي كامل) يقوده قائم آل محمد.

سلامٌ على قلبك المكسور من الظلم، اعلم أن هناك إماماً يرى دموعك، ويسمع أنين المظلومين، وهو يعد العدة ليوم الخلاص.

اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، فصل على محمد وآل محمد وأعنا على ذلك بفتح منك تعجله.

اللهم عجل لوليك الفرج والعافية والنصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *