المقدمة
في كل مرحلة من مراحل التاريخ كان الصراع بين مشاريع التحرر ومشاريع الهيمنة أحد المحركات الأساسية للتحولات السياسية الكبرى. وفي منطقتنا، لم يعد هذا الصراع مجرد مواجهة بين دول أو جيوش، بل أصبح صراعاً حول السيادة والقرار والهوية السياسية وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيداً عن الإملاءات الخارجية. وفي هذا السياق نشأ ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، الذي يفضّل البعض وصفه بـ«محور الحق»، باعتباره تعبيراً عن قوى ودول وحركات ترفض الخضوع للمشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي في المنطقة.
خلال السنوات الأخيرة، وخصوصاً منذ عام 2023، تكررت مقولة إن هذا المحور قد انهار أو فقد قدرته أو دخل مرحلة الأفول. واستند أصحاب هذا الرأي إلى حجم الخسائر البشرية والعسكرية، واغتيال عدد من القادة، والضربات التي استهدفت مواقع وبنى عسكرية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والسياسية المتزايدة. غير أن قياس سقوط مشروع سياسي أو مقاوم بحجم خسائره وحدها يبقى قياساً ناقصاً؛ لأن السؤال الأكثر أهمية هو: هل فقد هذا المشروع إرادته السياسية؟ وهل انتهت قدرته على التنظيم والتعبئة ورفض الإملاءات؟ ما دام الجواب عن هذين السؤالين بالنفي، فإن الحديث عن «السقوط الكامل» يبقى أقرب إلى الرغبة السياسية منه إلى توصيف الواقع.
محور الحق: مشروع يتجاوز التنظيمات والأشخاص
محور الحق ليس حزباً واحداً ولا دولة واحدة ولا قائداً بعينه، وإنما هو منظومة سياسية وفكرية تشكلت عبر عقود حول مجموعة من المبادئ، في مقدمتها رفض الهيمنة الخارجية، والدفاع عن السيادة الوطنية، ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ورفض تحويل دول المنطقة إلى ساحات تابعة لإرادة القوى الكبرى. ولذلك فإن قوته لا تُختزل في عدد الصواريخ أو حجم الترسانة العسكرية، مثلما أن ضعفه لا يُقاس فقط بسقوط قائد أو تدمير منشأة.
يمتد هذا المحور بأشكال مختلفة من إيران إلى العراق ولبنان وفلسطين واليمن، وتختلف مكوناته في البنية السياسية والاجتماعية وحتى في المصالح المحلية، إلا أن القاسم المشترك بينها هو رفض النظام الإقليمي الذي يقوم على التفوق الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية على القرار السياسي والأمني والاقتصادي للمنطقة. ومن هنا فإن فهم هذا المحور باعتباره مجرد تحالف عسكري يظل قاصراً؛ فهو أيضاً شبكة مصالح ورؤى وتجارب سياسية تكونت استجابةً لعقود من الحروب والاحتلال والعقوبات والتدخلات الخارجية.
لماذا يتكرر الحديث عن سقوطه؟
منذ عام 2023 تعرضت مكونات هذا المحور لضغوط ربما كانت من أعنف ما واجهته منذ تأسيسها. شهدت غزة حرباً مدمرة خلفت خسائر بشرية ومادية هائلة، وتعرض لبنان لاغتيالات وضربات واسعة، كما واجهت إيران والعراق واليمن ضغوطاً عسكرية وأمنية واقتصادية متصاعدة. وإلى جانب ذلك استمرت سياسة العقوبات والعزل المالي ومحاولات الحد من قدرة هذه القوى على الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمار والأسواق الدولية.
لكن الحرب لم تكن عسكرية واقتصادية فقط؛ بل كانت أيضاً حرباً على الصورة والمعنى. فقد سعت آلة إعلامية ضخمة إلى ترسيخ معادلة تقول إن المقاومة تعني الدمار، وإن التخلي عن أدوات القوة هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار. ومن هنا يصبح الصراع على الرواية جزءاً أساسياً من المواجهة، لأن تفكيك الثقة الشعبية بفكرة المقاومة قد يحقق ما لا تستطيع القوة العسكرية تحقيقه.
ومع ذلك، فإن تحميل المقاومة وحدها مسؤولية الدمار يتجاهل أصل المشكلة: وجود احتلال وصراعات سيادة وتدخلات خارجية واختلال عميق في موازين القوة. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط عن كلفة المقاومة، بل أيضاً عن كلفة الاستسلام وعن شكل النظام الإقليمي الذي سيولد إذا غابت تماماً قدرة شعوب المنطقة على الردع أو الاعتراض.
لماذا لم يسقط؟
أول أسباب بقاء هذا المحور هو امتلاكه جذوراً اجتماعية وسياسية لا يمكن القضاء عليها بالقوة العسكرية وحدها. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحركات المقاومة لا تتغذى فقط من المؤسسات والتنظيمات، بل من البيئة التي أنشأتها الحروب والاحتلالات والشعور بفقدان السيادة. يمكن اغتيال قائد أو تدمير مقر، لكن من الصعب إنهاء فكرة ما دامت الأسباب التي أنتجتها قائمة.
السبب الثاني هو غياب البديل السياسي المقنع. فحين يُطلب من الفلسطيني أو اللبناني أو العراقي أو اليمني التخلي عن أدوات القوة، يصبح السؤال المباشر: ما المقابل؟ هل يوجد نظام إقليمي يضمن السيادة؟ هل توجد دولة فلسطينية كاملة الحقوق؟ هل توقفت التدخلات الخارجية في العراق ولبنان؟ وهل أصبحت شعوب المنطقة شريكة حقيقية في تقرير مصيرها؟ ما دام الجواب غير محسوم، فإن الدعوة إلى إنهاء المقاومة دون تقديم تسوية سياسية عادلة ستبقى بالنسبة لكثيرين دعوة إلى قبول ميزان قوة غير متكافئ.
أما السبب الثالث فهو تغير البيئة الدولية. فالعالم لم يعد كما كان في مرحلة ما بعد عام 2003، حين بدت الولايات المتحدة قادرة على التحرك باعتبارها القوة المهيمنة شبه الوحيدة. صعود الصين، وعودة روسيا إلى المنافسة الدولية، وتوسع تجمعات مثل «بريكس»، وتزايد نزعة الاستقلال لدى دول الجنوب العالمي، كلها تحولات تقلص ـ ولو تدريجياً ـ قدرة قوة واحدة على فرض نظامها بصورة منفردة. ولا يعني ذلك أن هذه القوى أصبحت حليفة تلقائية لمحور المقاومة، لكنه يعني أن البيئة الدولية باتت أكثر تعددية وأقل قابلية للهيمنة المطلقة.
الخسارة لا تعني الإذلال
من الضروري التمييز بين الخسارة العسكرية وبين الانكسار السياسي. فقد يخسر أي محور معركة أو موقعاً أو قائداً، لكنه لا يصبح مهزوماً استراتيجياً إلا عندما يفقد القدرة على الاستمرار أو يتخلى عن أهدافه الأساسية تحت الضغط. وفي هذا المعنى، فإن الصمود لا يعني غياب الخسائر، بل القدرة على استيعابها وإعادة بناء القوة وتعديل الأدوات.
في غزة، ورغم الدمار الهائل، لم تنتهِ جذور المقاومة. وفي لبنان، ورغم الخسائر والاغتيالات، لم تختفِ معادلة الردع من الحسابات الإسرائيلية. وفي اليمن استطاعت العمليات المرتبطة بالبحر الأحمر خلال مراحل مختلفة من الحرب أن تفرض تكاليف ملموسة على حركة الملاحة والتجارة وأن تحول موقع اليمن الجغرافي إلى عامل ضغط إقليمي. وفي العراق بقي الجدل حول الوجود العسكري الأجنبي والسيادة الوطنية جزءاً أساسياً من الحياة السياسية والأمنية.
هذه الوقائع لا تعني أن المحور حقق انتصاراً كاملاً، لكنها تعني أن خصومه لم يتمكنوا أيضاً من إنهاء وجوده أو إزالة الأسباب التي تمنحه القدرة على الاستمرار. وهذه هي النقطة التي يغفلها خطاب «السقوط»: فالهزيمة التكتيكية لا تساوي بالضرورة هزيمة المشروع بأكمله.
إلى أين يتجه المحور بعد 2026؟
المرحلة المقبلة ستفرض على هذا المحور مراجعة أدواته. فالمواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة رواية واقتصاد وتكنولوجيا وتعليم وقدرة على بناء الدولة. وإذا أراد هذا المحور الحفاظ على حضوره، فلن يكون كافياً أن يمتلك أدوات الردع العسكري، بل يحتاج أيضاً إلى نموذج سياسي واقتصادي قادر على إقناع المجتمعات بأن خيار الاستقلال لا يعني استمرار الأزمات والضعف الاقتصادي.
كما يتجه الصراع بصورة متزايدة من منطق «الرد بعد الاعتداء» إلى بناء قدرة تمنع الخصم من الاعتداء أساساً، أي الانتقال من المقاومة بوصفها رد فعل إلى الردع بوصفه معادلة سياسية وعسكرية محسوبة. وفي الوقت نفسه، ستصبح العلاقات مع القوى الصاعدة ودول الجنوب العالمي أكثر أهمية، لأن الصراع على النظام الدولي لم يعد محصوراً في الشرق الأوسط.
الخاتمة
إن القول إن محور الحق لم يسقط لا يعني إنكار خسائره أو التقليل من حجم الضربات التي تعرض لها، بل يعني أن معيار سقوط المشاريع السياسية لا يكون بعدد الشهداء أو حجم الدمار وحده. المشروع يسقط عندما يفقد قاعدته الاجتماعية، وتنهار إرادته، ويصبح عاجزاً عن إعادة إنتاج أدواته، ويقبل بالشروط التي قام أساساً لمقاومتها.
حتى الآن، لم يتحقق ذلك. لقد تغيرت موازين، وسقط قادة، وتراجعت قدرات في بعض الساحات، لكن الفكرة التي أنشأت هذا المحور ما زالت موجودة: رفض الهيمنة، والدفاع عن السيادة، واعتبار فلسطين قضية مركزية، والإصرار على امتلاك أدوات تمنع تحويل شعوب المنطقة إلى مجرد تابع في نظام يرسمه الآخرون.
قد يخسر محور الحق معارك، وقد يضطر إلى مراجعة أساليبه، وقد تتغير أشكال قوته وتحالفاته، لكن الحديث عن نهايته يظل سابقاً لأوانه ما دامت الأسباب التي أنشأته قائمة. فالمشاريع التي تولد من صراعات عميقة على الأرض والسيادة والكرامة لا تنتهي باغتيال قائد أو بضربة عسكرية؛ إنها تتغير، تتراجع أحياناً، ثم تعيد تشكيل نفسها. ولهذا يمكن القول إن المعركة لم تُحسم بعد، وإن محور الحق لم يسقط، لأن الصراع الذي أنشأه لم ينتهِ بعد.


