لم يعد من السهل النظر إلى التطورات المتسارعة بين إيران وإسرائيل باعتبارها مجرد جولة جديدة من جولات حرب الظل التي اعتادت المنطقة عليها خلال السنوات الماضية، فما يجري اليوم تجاوز حدود الرسائل المتبادلة والضربات المحدودة، وأصبح أقرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع أهداف سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود طهران وتل أبيب. ومع ذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: هل نحن أمام حرب؟ بل إلى أين تريد الأطراف المتصارعة أن تصل بهذه الحرب، وما الذي تريد تغييره في خريطة المنطقة وموازين القوى فيها؟ إيران تخوض هذه المواجهة وهي تدرك أن القضية بالنسبة إليها لا تتعلق فقط بالمنشآت النووية أو القدرات الصاروخية، وإنما بمكانتها كقوة إقليمية وبقدرتها على الحفاظ على شبكة نفوذها وتحالفاتها في المنطقة. ولذلك فإن إضعاف قدرتها على الردع أو إجبارها على التراجع قد يعني بالنسبة إلى طهران أكثر من خسارة عسكرية، لأنه قد يؤدي إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي برمته . وفي المقابل، تبدو إسرائيل معنية بإعادة بناء معادلة الردع على أسس جديدة، مستفيدة من تفوقها العسكري والتكنولوجي ومن الدعم الأميركي، بحيث تصبح تكلفة تهديدها أعلى بالنسبة إلى خصومها، وهو ما يجعل المواجهة مع إيران جزءاً من مشروع أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط . أما الولايات المتحدة، فإن حضورها في هذه المواجهة يؤكد أن القضية لم تعد صراعاً ثنائياً بين إيران وإسرائيل، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل النظام الأمني والسياسي في المنطقة . فواشنطن معنية بمنع إيران من استعادة أو توسيع قدرتها على التأثير الإقليمي، وبحماية إسرائيل والمصالح الأميركية وطرق الطاقة والملاحة، وفي الوقت نفسه بإعادة صياغة شبكة التحالفات والتوازنات التي تحكم الشرق الأوسط. ومن هنا يمكن القول إن الحرب، وإن كانت تدور عسكرياً في مواجهة مباشرة بين أطراف محددة، فإن نتائجها السياسية ستتجاوز حدود الدول المتحاربة لتطال المنطقة بأكملها . وفي قلب هذه المعادلة يقف العراق في موقع بالغ الحساسية . فالعراق ليس طرفاً أصلياً في الصراع، لكنه لا يستطيع أن يكون بعيداً عن تداعياته، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته مع إيران والولايات المتحدة، ووجود مصالح وقوى مرتبطة بهذا المشهد داخل أراضيه . والخطر الأكبر على العراق لا يتمثل فقط في احتمال تعرضه لضربات مباشرة، وإنما في أن يتحول إلى ساحة لتبادل الرسائل أو تصفية الحسابات بين القوى المتصارعة، خصوصاً إذا استُخدمت الأراضي العراقية أو أجواؤه لتنفيذ عمليات عسكرية ضد طرف إقليمي أو دولي . وهنا تصبح مسألة حصر السلاح بيد الدولة أكثر من مجرد شعار سياسي أو مطلب داخلي؛ إنها قضية تتصل مباشرة بالأمن القومي والسيادة العراقية . فالدولة التي لا تمتلك القرار الحصري في الحرب والسلم تجد نفسها عاجزة عن حماية أراضيها عندما تتسع دائرة الصراع، وقد تتحول من دولة تحاول النأي بنفسها عن الحرب إلى طرف فيها من دون أن تختار ذلك . ولذلك فإن توحيد القرار الأمني والعسكري، ومنع استخدام العراق منصة لاستهداف الآخرين، يجب أن يكونا في مقدمة أولويات الدولة العراقية في هذه المرحلة. وفي المقابل، فإن السياسة العراقية مطالبة بالحفاظ على قدر كبير من التوازن . فالعراق لا يستطيع تجاهل إيران باعتبارها دولة جارة تربطه بها حدود ومصالح اقتصادية وأمنية واجتماعية واسعة، كما لا يستطيع تجاهل علاقاته مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. والمطلوب ليس أن يختار العراق أحد المحاور، وإنما أن يختار العراق نفسه، وأن يجعل مصلحته الوطنية وسيادته فوق حسابات المحاور والصراعات الإقليمية . ولا يقل الجانب الاقتصادي خطورة عن الجانب الأمني، فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، وأي توسع في الحرب ليشمل طرق الملاحة أو منشآت الطاقة أو حركة التجارة في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العراقي . وقد تبدو زيادة أسعار النفط مكسباً مؤقتاً للدول المنتجة، لكن استمرار الاضطراب الإقليمي يحمل في المقابل مخاطر كبيرة على التجارة والاستثمار والنقل والتأمين والاستقرار المالي، الأمر الذي يجعل حماية البنية التحتية النفطية والموانئ والمطارات والممرات الحيوية جزءاً من منظومة الأمن الوطني العراقي . ومن الصعب في هذه المرحلة الجزم بأن المنطقة تتجه بالضرورة إلى حرب شاملة طويلة الأمد، لأن جميع الأطراف تدرك أن الحرب المفتوحة بلا سقف قد تنتج نتائج يصعب التحكم بها، لكن المؤكد أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد كما كانت . لقد انتقل الصراع من مرحلة الضربات غير المباشرة وحروب الوكلاء إلى مرحلة اختبار مباشر للقدرات والردع، وقد تترك هذه المواجهة آثاراً طويلة الأمد على التحالفات وموازين القوى والنظام الأمني في الشرق الأوسط.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العراقيين ليس فقط من سينتصر في هذه الحرب، وإنما كيف سيخرج العراق منها. هل يخرج دولة أكثر قدرة على حماية قرارها وسيادتها، أم يخرج ساحة جديدة للصراع بين القوى الإقليمية والدولية ؟ وهل يستطيع أن يحول موقعه الجغرافي وعلاقاته المتعددة إلى أوراق قوة سياسية، أم يبقى أسيراً لصراع المحاور ؟ إن ما يجري بين إيران وإسرائيل قد يكون حرباً مفتوحة، لكنه في الوقت ذاته جزء من صراع أكبر على إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط . وفي مثل هذه التحولات الكبرى، لا تكون الدول الأكثر أمناً هي التي تختار أقوى المحاور، بل التي تمتلك قرارها الوطني وتحمي حدودها وتعرف أين تقف . والعراق اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف موقعه في المنطقة، شرط أن يدرك أن الحياد الإيجابي لا يعني الضعف، وأن التوازن لا يعني التردد، وأن حصر السلاح بيد الدولة لا يعني إضعاف قوة العراق، بل يعني أن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم . فأخطر ما تفعله الحروب ليس ما تطلقه من صواريخ فقط، وإنما ما تعيد تشكيله من خرائط وتحالفات وموازين قوى . وإذا كانت المنطقة مقبلة فعلاً على نظام إقليمي جديد، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق هو أن يكون دولةً فاعلة في صياغة هذا النظام، لا ساحةً تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين . العراق أولاً .. لأن من لا يمتلك قراره سيدفع دائماً ثمن قرارات الأخرين .


