يتبلور، منذ حرب الاثني عشر يوماً في إيران، يسارٌ جديد لم تتضح بعد ملامحه القيادية ولا صوته السياسي. وربما لا يكون من السهل، في هذه المرحلة، تحديد من سيمثله أو أي قوة سياسية ستعبّر عنه. لكن ذلك لا يعني أن أفكاره يمكن أن تنتظر ظهور القيادة؛ بل ربما يكون العكس هو الصحيح: فبلورة الرؤية تسبق، في هذه المرحلة، بلورة القيادة.
ينطلق هذا اليسار من قناعة أساسية مفادها أن الحل الوحيد القابل للاستمرار للصراع مع الولايات المتحدة هو السلام. لكنه، في الوقت نفسه، لا يتعامل مع السلام بوصفه احتمالاً قريباً أو سهلاً. فإمكانية التوصل إلى تسوية في المستقبل القريب تبدو بعيدة، لأسباب تتعلق بالجانب الإيراني نفسه، كما تتعلق بالجانب الأميركي الذي لا يزال ينظر بعين الشك إلى القيادات الراديكالية في إيران. وربما تشارك قطاعات من اليسار الإيراني هذا الشك أيضاً.
لكن الاعتراف بصعوبة السلام لا يعني التخلي عنه. بل يعني إعادة التفكير في الشروط التي يمكن أن تجعل السلام ممكناً ومستداماً.
وهنا تحديداً تكمن خصوصية اليسار الجديد: الجديد ليس في الهدف، وإنما في تصور الطريق المؤدية إليه.
الاتفاق، وفق هذه الرؤية، لا ينبغي أن يكون مجرد وثيقة تنهي مجموعة من القضايا العالقة منذ عقود. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى تغيير في نظرة الطرفين إلى الصراع نفسه، وإلى استعداد فعلي لدى الإيرانيين والأميركيين للانتقال من سياسة الصدام المستمر إلى تسوية يمكن الدفاع عنها سياسياً.
ولهذا، يختلف اليسار الجديد عن اتجاهين متعارضين في آن واحد.
فهو يرفض موقف المحافظين الذي يرى أن مجرد الجلوس إلى طاولة واحدة مع الولايات المتحدة يمثل تنازلاً غير مقبول. لكنه، في الوقت نفسه، لم يعد مستعداً لمنح الجانب الأميركي ثقة مجانية أو الاكتفاء بالتصريحات الأميركية.
المطلوب، بالنسبة إليه، هو أفعال أميركية قابلة للقياس: تبدأ بالتصريحات الواضحة، لكنها لا تتوقف عندها، بل تصل إلى التطبيق الفعلي، وفي مقدمة ذلك رفع العقوبات والالتزام العلني بحل القضايا العالقة.
لكن الصراع الإيراني ــ الأميركي لا يجري في فراغ. فاليسار الإيراني الجديد يدرك أن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل جزء من صراع إقليمي أوسع، وأن أي اتفاق ثنائي لن يكون كافياً إذا لم يأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار.
لذلك، ينبغي أن يكون الهدف اتفاقاً إقليمياً أوسع ينهي الحرب ويعيد ترتيب التوازنات في المنطقة، مع الحفاظ على مكانة إيران ودورها الإقليمي، ويتضمن في الوقت نفسه معالجة مبدئية للقضايا التي ظلت مصدراً للصراع.
فالسلام الذي يضعف إيران ليس، وفق هذه الرؤية، سلاماً بالمعنى السياسي الكامل، كما أن الاتفاق الذي يترك القوى المعادية لإيران أكثر قوة وقدرة على التأثير لا يمكن اعتباره اتفاقاً جيداً لمجرد أنه أنهى مرحلة من المواجهه ،
وهنا تصل رؤية اليسار الجديد إلى نقطة قد تبدو، للوهلة الأولى، متناقضة: السعي إلى السلام لا يعني التخلي عن القوة.
فاليسار الجديد يعترف بضرورة استخدام القوة بشكل مكثف وعلى مدى طويل عندما تقتضي حماية إيران ومصالحها ذلك، ويرى أن على إيران الحفاظ على المبادرة العسكرية.
ذلك لأن الهدوء لا يؤدي بالضرورة إلى السلام. ففي بعض الظروف، قد يكون استخدام القوة هو الذي يخلق الشروط التي تسمح بالتقدم نحو تسوية سياسية.
ومن ثم، فإن المعادلة ليست «القوة أو السلام»، وإنما القوة كوسيلة لحماية شروط السلام، والسلام كوسيلة لإنهاء الصراع عندما تصبح شروطه متاحة.
وعلى إيران، وفق هذا التصور، أن تحارب بحزم كل من يحاول تدميرها، وفي الوقت نفسه أن تستثمر كل فرصة ممكنة للدفع باتجاه اتفاق سياسي جيد.
لكن إذا كان اليسار الجديد يريد أن يجعل من السلام هدفاً سياسياً، فعليه أن يكون أكثر وضوحاً في تعريفه للاتفاق الذي يمكن قبوله.
فأي اتفاق سيقيّد، إلى حد ما، حرية حركة الجمهورية الإسلامية. وهذه ليست النقطة الأساسية. السؤال الأهم هو: ماذا تحصل إيران في المقابل؟ وما حجم القيود؟ وما المساحة التي ستبقى لها من حرية العمل المشروعة؟
الاتفاق الجيد هو الذي يحقق توازناً واضحاً بين ما تقدمه إيران وما تحصل عليه، ولا يؤدي إلى تعزيز القوى الإقليمية المعادية لها أو إلى تحويل الاتفاق إلى أداة لإضعافها.
أما الاتفاق السيئ فهو الذي يطلب من إيران تقديم تنازلات استراتيجية، من دون أن يقدم في المقابل ضمانات سياسية واقتصادية وأمنية حقيقية، أو الذي ينتهي عملياً إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي ضدها.
ولهذا، فإن الحكم على أي اتفاق لا ينبغي أن يكون من خلال عنوانه أو لغة بنوده فقط، وإنما من خلال ميزان القوة الذي سينتج عنه.
من الحرب إلى السياسة
من هنا أيضاً يمكن فهم العلاقة بين الالتزام السياسي واستخدام القوة.
فالالتزام الإيراني والأميركي العلني بحل القضايا العالقة ورفع العقوبات لا يعني فقط فتح باب التفاوض، بل يمكن أن يمنح إيران إطاراً سياسياً وشرعية أكبر لمواجهة الجهات التي تعمل ضد وجودها ومصالحها.
وبعبارة أخرى، فإن السياسة لا تلغي القوة، كما أن القوة لا تلغي السياسة. المطلوب هو وضع كل منهما في مكانه الصحيح، بحيث لا تتحول القوة إلى بديل دائم عن السياسة، ولا يتحول التفاوض إلى وسيلة لتجريد إيران من أدواتها قبل الوصول إلى تسوية متوازنة.
المشكلة ليست غياب القيادة فقط
هذه الرؤية لم تُصَغ بعد بلغة سياسية واضحة، ولا توجد حالياً قيادة تعرف كيف تطرحها من دون الوقوع في التصنيفات القديمة لـ«المحافظين » و«الأصلاحيين »
ومن المرجح ألا تظهر قيادة بهذه المواصفات حتى موعد الانتخابات الرئاسية في إيران. لكن اختزال المشكلة في غياب القيادة قد يكون خطأً؛ لأن التحدي الحقيقي يسبق مسألة القيادة نفسها.
قبل أن نسأل: من سيمثل اليسار الجديد؟ يجب أن نسأل: ماذا يريد هذا اليسار؟
ما رؤيته للولايات المتحدة؟ وما حدود علاقته بها؟ ما نوع السلام الذي يريده؟ ما الذي يعتبره اتفاقاً جيداً؟ وما الذي يرفضه؟ كيف ينظر إلى القوة العسكرية؟ وكيف يريد أن يحافظ على موقع إيران الإقليمي من دون أن يتحول الصراع إلى حالة دائمة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يبدأ اليسار الجديد بالإجابة عنها.
فإذا استطاع أن يحدد رؤيته للعالم، وأن يتجاوز الثنائية التقليدية بين «التفاوض» و«المواجهة»، وبين «السلام» و«القوة»، فقد يصبح قادراً على تقديم خطاب سياسي مختلف عن الخطابات السائدة.
أما القيادة، فيمكن أن تأتي لاحقاً.
فالقيادة التي لا تملك رؤية تتحول إلى جزء من المشكلة، أما الرؤية الواضحة فقد تكون هي التي تخلق القيادة التي تحتاج إليها المرحلة .


