من المحاور إلى المنظومة: كيف تستوعب اتفاقية مكة شبكة التحالفات المتعارضة في الشرق الأوسط؟

من المحاور إلى المنظومة كيف تستوعب اتفاقية مكة شبكة التحالفات المتعارضة في الشرق الأوسط؟
تسعى الرؤية المطروحة إلى تحويل اتفاقية مكة إلى إطار أمني إقليمي يقوم على تنظيم العلاقات لا إلغائها، عبر موازنة المصالح، واحترام السيادة، وضبط استخدام التحالفات الخارجية، بما ينقل الشرق الأوسط من منطق المحاور إلى منظومة تعاون مستقرة...

إذا كان من الممكن أن تتحول اتفاقية مكة بين السعودية وتركيا وباكستان من اتفاق دفاعي ثلاثي إلى نواة لمنظومة أوسع للأمن الشرق أوسطي المشترك، فإن العقبة الأصعب أمام هذا التحول لن تكون في عدد الدول الراغبة في المشاركة، ولا في حجم القوات والأسلحة التي تستطيع تقديمها، وإنما في حقيقة أن دول المنطقة تدخل أي نظام أمني جديد وهي محملة بشبكة كثيفة من التحالفات والارتباطات والخصومات السابقة.

فسوريا، التي يثار احتمال انضمامها إلى الاتفاقية، لا تدخل فضاءً سياسيًا فارغًا؛ لها تاريخ طويل من العلاقات مع إيران، وترتبط قضيتها الأمنية بالعراق ولبنان وتركيا وإسرائيل، فضلًا عن التداخل الدولي في الملف السوري. والعراق بدوره يرتبط بعلاقات عميقة مع إيران، وشراكة أمنية مع الولايات المتحدة، وعلاقات متنامية مع السعودية ودول الخليج، ومصالح كبيرة مع تركيا. وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، بينما تعتمد دول خليجية بدرجات مختلفة على شراكات عسكرية وأمنية مع الولايات المتحدة ودول غربية. أما مصر فلها شبكة مختلفة من العلاقات والالتزامات تمتد من الولايات المتحدة إلى الخليج وشرق المتوسط وأفريقيا.

لهذا فإن بناء منظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك على أساس مطالبة الدول بالتخلي عن علاقاتها وتحالفاتها السابقة قبل دخولها سيكون مشروعًا غير قابل للتحقق. البديل الأكثر واقعية هو اعتماد مبدأ مختلف: لا يشترط الانضمام إلى المنظومة إلغاء العلاقات والتحالفات السابقة، وإنما يشترط ألا تستخدم هذه العلاقات للإضرار بأمن الدول الأخرى المشاركة فيها.

وهذا المبدأ يمكن أن يشكل إحدى القواعد المؤسسة للنظام الإقليمي الجديد.

فالمشكلة ليست في أن تكون لسوريا علاقة استراتيجية مع إيران، أو أن تكون لتركيا عضوية في الناتو، أو أن ترتبط السعودية ومصر بشراكات أمنية مع الولايات المتحدة، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول علاقة دولة بقوة إقليمية أو دولية إلى أداة تهدد بها دولة أخرى في الإقليم. هنا ينبغي أن يعمل النظام الأمني المشترك بوصفه إطارًا أعلى ينظم السلوك الإقليمي من دون أن يصادر استقلال السياسة الخارجية للدول.

وتقدم سوريا اختبارًا بالغ الأهمية لهذا التصور. فإذا كان دخولها إلى اتفاقية مكة مشروطًا بالانفصال عن إيران، فسوف يعني ذلك عمليًا انتقالها من محور إلى محور آخر، وستصبح الاتفاقية أداة لإعادة توزيع مناطق النفوذ بدل أن تكون بداية لتجاوز منطقها. أما إذا استطاعت سوريا المشاركة مع احتفاظها بعلاقات طبيعية مع إيران، ضمن التزام واضح بأن أمنها وعلاقاتها الخارجية لن يستخدم أي منهما ضد بقية أعضاء المنظومة، فإننا نكون أمام نموذج مختلف جذريًا.

وهذا يقود مباشرة إلى القضية الأكثر تعقيدًا: واعني بها  محور المقاومة.

ينبغي هنا التمييز بين العلاقات بين الدول وبين النشاط العسكري العابر للحدود. فمنظومة الأمن الإقليمي لا تستطيع أن تستوعب «محاور» داخلها بوصفها وحدات سياسية موازية للدول، وإلا أصبحت مجرد مظلة فوق المحاور القائمة. الأطراف الأساسية في أي نظام إقليمي مستقر يجب أن تكون الدول ذات السيادة. وهذا لا يعني تجاهل القوى والتنظيمات الموجودة في الواقع، وإنما يعني أن السلاح والقرار المتعلق بالحرب والسلام والأمن الخارجي ينبغي، ضمن عملية انتقالية واقعية، أن يعودا إلى المؤسسات الشرعية للدول.

وهذه المسألة ترتبط بالعراق بقدر ارتباطها بسوريا ولبنان وإيران. فالعراق يستطيع أن يؤدي دورًا مركزيًا في النظام المقترح إذا لم يُطلب منه الاختيار بين إيران والعالم العربي. موقعه الجغرافي وتكوينه السياسي وعلاقاته الاقتصادية يجعله مؤهلًا لأن يكون جسرًا بين ضفتي التوازن الإقليمي. لكن نجاحه في أداء هذا الدور يتطلب أن تكون قرارات الحرب والسلم والعلاقات الأمنية الخارجية بيد الدولة العراقية، لأن الدولة التي تتعدد داخلها مراكز القرار العسكري يصعب عليها الالتزام الكامل بقواعد أمن إقليمي مشترك.

والمبدأ نفسه ينبغي أن يطبق على الجميع، لا على إيران وحلفائها فقط. فإذا كان المطلوب ضبط النشاط العسكري العابر للحدود المرتبط بإيران، فينبغي كذلك ألا تستخدم قواعد أو شراكات عسكرية أجنبية موجودة في دولة عضو لتهديد دولة أخرى داخل المنظومة. المعيار يجب أن يكون واحدًا؛ لأن النظام الذي يضع القيود على طرف ويستثني طرفًا آخر لن ينتج أمنًا مشتركًا، بل سيعيد إنتاج اختلال القوة تحت اسم جديد.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى بنية أمنية متعددة المستويات بدل إنشاء حلف عسكري ضخم. يمكن أن تبقى السعودية وتركيا وباكستان في الدائرة الدفاعية الأكثر تكاملًا، بينما تدخل سوريا والعراق ومصر ودول الخليج وإيران تدريجيًا في دائرة أوسع تقوم على مبادئ عدم الاعتداء واحترام السيادة وعدم استخدام أراضي دولة ضد أخرى وتسوية النزاعات سلميًا وأمن الملاحة والممرات والطاقة ومكافحة الإرهاب ومنع التصعيد العسكري.

ويمكن لهذه الدائرة أن تطور آليات عملية: مجلسًا دائمًا للأمن الإقليمي، وخطوط اتصال عسكرية مباشرة لمنع سوء التقدير، ونظامًا للإنذار المبكر، وإجراءات لبناء الثقة، وإخطارًا مسبقًا بالمناورات العسكرية الكبرى، وآليات للتحقيق في الحوادث الحدودية والبحرية، ولجنة دائمة للوساطة وتسوية النزاعات.

وعندها تتغير وظيفة اتفاقية مكة نفسها. فبدل أن تكون مركز جذب تنقل الدول من تحالفاتها القديمة إلى تحالف جديد، تصبح نواة مؤسسية تساعد المنطقة على الانتقال من نظام المحاور إلى نظام العلاقات المنظمة.

لكن هذا التحول لن ينجح إذا كان الهدف الخفي هو بناء محور سني في مواجهة إيران، مثلما لن ينجح إذا حاولت إيران استخدام المنظومة لإضفاء الشرعية على مجال نفوذ خاص بها. ولن ينجح أيضًا إذا اعتبرته الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين وسيلة لإدخال الشرق الأوسط في أحد معسكراتها العالمية. الشرط الأساسي هو أن تمتلك دول المنطقة نفسها النظام الذي تبنيه، مع احتفاظ كل منها بحرية إقامة علاقاتها الدولية.

وهذا لا يعني إلغاء التوازن الإقليمي. على العكس، لا يمكن بناء أمن مشترك مستقر من دون توازن يمنع أي قوة من الهيمنة على الآخرين. لكن المطلوب الانتقال من توازن القوة القائم على التهديد المتبادل إلى توازن منظم بالقواعد والمؤسسات والمصالح المشتركة.

لقد عاش الشرق الأوسط طويلًا داخل معادلة تقول إن زيادة أمن دولة تستلزم تقليل أمن دولة أخرى. وكل تحالف كان يستدعي تحالفًا مضادًا، وكل توسع في النفوذ كان يولد مقاومة وتوسعًا مقابلًا. وكانت النتيجة أن امتلكت المنطقة المزيد من الأسلحة والتحالفات، لكنها لم تمتلك المزيد من الأمن.

الفرصة التي يمكن أن تفتحها اتفاقية مكة هي كسر هذه الحلقة، لكن ذلك يتطلب شجاعة استراتيجية تتجاوز التفكير التقليدي في التحالفات. فلا يُطلب من سوريا أن تختار بين مكة وطهران، ولا من العراق أن يختار بين محيطه العربي وإيران، ولا من تركيا أن تختار بين الشرق الأوسط والناتو، ولا من السعودية ومصر أن تتخليا عن علاقاتهما الدولية.

المطلوب أصعب من ذلك وأهم: أن تتفق هذه الدول على أن علاقاتها الخارجية لا يجوز أن تتحول إلى أدوات متبادلة للتهديد داخل الإقليم.

عندئذ فقط يمكن الانتقال الحقيقي من المحاور إلى المنظومة؛ ومن البحث عن الأمن ضد الجار إلى بناء الأمن معه؛ ومن شرق أوسط تتنافس القوى على مناطق النفوذ فيه إلى شرق أوسط تبدأ دوله، للمرة الأولى، بصناعة نظامها الأمني المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *