ليست كل المسافات تُقاس بالأرقام، فالمسافة بين اليوم ١٠١ واليوم ٢٠٢ هي بالفعل ١٠١ يوما، ولكن ما بين الرقمين قد يكون تاريخا كاملا من الصمود، والحرب، والانتظار، وإعادة تشكيل الوعي، واختبار قدرة الشعوب والدول على الاحتمال.
ومنذ بدء العدوان على إيران في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، لم تعد الشوارع الإيرانية مجرد مساحة للحياة اليومية، بل تحولت إلى واحدة من ساحات الصراع الأساسية. وقد تناولت دراسات وتحليلات عدة الحضور الجماهيري المنظم في المدن الإيرانية باعتباره عاملا مهما في إظهار التماسك الداخلي ومواجهة الرهان على حدوث اضطراب سياسي متزامن مع الضغط العسكري الخارجي.
وهنا تكمن المفارقة.
فكلما طال أمد الحرب، كان يفترض في الحسابات التي تراهن على انهيار الداخل أن تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وأن يتحول الضغط الخارجي إلى عامل تفجير داخلي. لكن ما ظهر في الشوارع، بحسب تقارير متعددة، كان حضورا جماهيريا متواصلا، وإن كان جزء منه منظما أو مؤيدا للحكومة، وهو ما جعل الشارع نفسه ساحة من ساحات الحرب السياسية والنفسية.
لقد كان الرهان على أن الضغط الأقصى سيصنع الانهيار، وأن العقوبات والحرب والاغتيالات والضربات العسكرية ستدفع المجتمع إلى نقطة اللاعودة. ومع مرور الأيام، تحولت هذه الحسابات إلى اختبار مفتوح: هل يستطيع الضغط الخارجي أن ينتج نظاما سياسيا جديدا من الداخل، أم أنه يدفع المجتمع في لحظات الخطر إلى إعادة تعريف أولوياته؟ وهنا يظهر معنى الأيام.
فاليوم ١٠١ ليس مجرد رقم، واليوم ٢٠٢ ليس مجرد رقم آخر. إنهما علامتان على زمن طويل من الاختبار. وفي هذا الزمن تتراكم الأسئلة: ماذا يحدث عندما يشعر جزء كبير من المجتمع أن الحرب الخارجية لا تستهدف حكومة فقط، وإنما تستهدف البلد نفسه؟ وماذا يحدث عندما يصبح احتمال الاحتلال أو فرض نظام سياسي من الخارج جزءا من النقاش العام؟
إن حضور الجماهير في الشوارع، من هذا المنظور، لا يمكن اختزاله في تفسير واحد. فهناك من يرى فيه تعبيرا عن التأييد للنظام، وهناك من يراه تعبيرا عن الوطنية ورفض الحرب الخارجية، وهناك من يرى أن التعبئة المنظمة لعبت دورا في ملء المجال العام ومنع تحوله إلى ساحة مفتوحة للمعارضة. وقد أشارت تحليلات مستقلة إلى أن الحشود المؤيدة للحكومة لا تعني بالضرورة إجماعا اجتماعيا على النظام، كما أن استمرار الحضور الشعبي لا يلغي وجود استياء داخلي أو مطالب سياسية واجتماعية مختلفة. وهذه نقطة جوهرية.
فالسياسة لا تقرأ دائما من خلال الهتاف وحده، كما لا تقرأ من خلال الصمت وحده. وإنما تقرأ من خلال اتجاهات المجتمع في لحظات الاختبار الكبرى.
لقد راهن الطرف المعادي على معادلة تبدو بسيطة: ضغط عسكري من الخارج، ضغط اقتصادي من العقوبات، اضطراب اجتماعي في الداخل، ثم انهيار سياسي يؤدي إلى تغيير النظام. لكن المشكلة في هذه المعادلة أنها تفترض أن المجتمع الإيراني سيتصرف بالضرورة وفقا للرغبة التي يريدها الخارج.
وهذا ليس أمرا مسلما به.
فالشعب الذي قد يكون لديه اعتراض على حكومته أو اختلاف معها لا يعني بالضرورة أنه يقبل أن تأتي قوة أجنبية لتحدد له شكل الدولة التي يعيش فيها. وقد يتحول الخلاف الداخلي، في ظروف الحرب، إلى رفض للوصاية الخارجية قبل أن يكون تأييدا مطلقا للسلطة.
وهنا تصبح الشوارع ذات دلالة مختلفة.
فإذا كان المشروع المعادي يريد تغييرا سياسيا يصنعه القصف والاغتيال والضغط الخارجي، فإن الحضور الشعبي يستطيع أن يتحول إلى رسالة تقول إن مستقبل الدولة لا يُحسم من الجو، ولا تصنعه غرف العمليات العسكرية، ولا تمنحه قوة أجنبية إلى مجموعة سياسية تختارها على أساس مصالحها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع تغيير من الخارج هو أن يصبح عاجزا عن إنتاج شرعية داخلية.
فالنظام الذي يُفرض بالدبابات أو الصواريخ أو الاحتلال لا يولد بالضرورة دولة مستقرة، بل قد يولد سلطة تعتمد على الحماية الأجنبية، وتحتاج إلى القوة الأجنبية لكي تبقى. وعندها يصبح الصراع الحقيقي ليس بين نظام ومعارضيه فقط، وإنما بين مجتمع يريد أن يقرر مستقبله بنفسه ومشروع يريد أن يقرر عنه.
ولهذا يمكن فهم فلسفة الأيام المتعاقبة.
كل يوم يمر دون تحقق السيناريو الذي راهن عليه الطرف المعادي يعيد ترتيب الحسابات. وكل يوم يستمر فيه المجتمع في ممارسة حياته، أو يظهر في الساحات، أو يعبّر عن رفضه للحرب الخارجية، أو يتمسك باستقلال القرار الوطني، يصبح جزءا من المعركة على معنى الدولة ومستقبلها.
وان من الضروري أيضا أن يشير هذا الاستنتاج إلى التنوع الحقيقي داخل المجتمع الإيراني. فحتى ما شهدته إيران من احتجاجات قبل الحرب،. والتي أراد منها العدو ان يقول، بإن صورة الشارع الإيراني ليست صورة واحدة، ولا يجوز اختزال ملايين الإيرانيين في موقف سياسي واحد. فعول عليها في الامنيات، ولكن الشعب توحد وصار هو الجدار الصلب بوجه العدو.
وهنا بالضبط تكمن أهمية الرقم ٢٠٢.
فالمسافة بين ١٠١ و٢٠٢ هي ١٠١ يوما، ولكنها ليست المسافة نفسها سياسيا ونفسيا واستراتيجيا.
في اليوم الأول من الحرب يمكن أن يكون كل شيء مفهوما بمنطق الصدمة. وفي اليوم المائة يمكن أن يبدأ الناس في قياس النتائج. أما حين يصبح الصراع ممتدا، فإن السؤال يتحول من هل تستطيع الضربة أن تؤلم؟ إلى هل تستطيع الضربة أن تنتج واقعا سياسيا جديدا؟
وهذا فرق هائل.
فالضربة العسكرية تستطيع تدمير مبنى، واستهداف منشأة، وقتل مسؤول، وتعطيل قدرة عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح نظاما سياسيا جديدا شرعية في عيون الشعب.
والتغيير الذي لا يمتلك حاضنة اجتماعية حقيقية يبقى بحاجة دائمة إلى القوة التي صنعته.
أما إذا كان المقصود هو إسقاط نظام وإقامة نظام آخر تكون حاضنته الأساسية قوة أجنبية ومجموعات مسلحة أو قوى مرتبطة بها، فإن السؤال الذي سيواجهه ذلك النظام منذ لحظة ولادته هو: من يحميه عندما تنتهي الحرب؟
وهنا يمكن أن ينقلب السلاح الذي أريد به صناعة التغيير إلى سبب في إسقاط التغيير نفسه.
فالشعوب قد تختلف، وقد تعارض، وقد تحتج، وقد تطالب بإصلاحات جذرية، لكنها في الوقت نفسه قد ترفض أن يتحول خلافها الداخلي إلى بوابة لغزو بلدها أو احتلاله أو مصادرة قراره الوطني.
ومن هنا تبدو فلسفة الأيام أكثر وضوحا.
إن الحضور الجماهيري في الشوارع ليس مجرد مشهد عابر من مشاهد الحرب، بل هو صراع على من يملك المجال العام، ومن يملك تعريف المستقبل، ومن يملك حق تحديد شكل الدولة.
وفي هذه المعركة، لا يكون الانتصار بالضرورة لمن يطلق الصاروخ الأبعد، وإنما لمن يستطيع أن يبقى حاضرا في الوعي وفي الشارع وفي فكرة الدولة بعد أن تهدأ أصوات المدافع.
لذلك فإن المسافة بين يوم ١٠١ ويوم ٢٠٢ هي ١٠١ يوما فقط في التقويم، لكنها في فلسفة الصراع قد تكون مسافة بين رهانين: رهان على أن الضغط الخارجي يصنع الانهيار، ورهان على أن المجتمع سيمنع تحويل بلاده إلى مشروع سياسي تصنعه قوة أجنبية.
وهنا تكمن فلسفة الأيام كلها.
فكل يوم جديد لا يحمل فقط رقما جديدا، وإنما يحمل سؤالا جديدا: هل يستطيع الخارج أن يصنع مستقبلا لشعب لا يملك مفاتيح ذلك المستقبل؟
والجواب لا تصنعه الطائرات وحدها، ولا الصواريخ وحدها، ولا البيانات السياسية وحدها.
إنه يصنعه المجتمع نفسه، بما يختاره من مواقف، وبما يرفضه، وبما يقبله، وبقدرته على أن يجعل مستقبله قرارا وطنيا لا نتيجة لعملية عسكرية عابرة.


